أعلن الدفاع المدني في قطاع غزة، يوم الخميس، أن جثث ما يقرب من 8000 فلسطيني استشهدوا خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة لا تزال تحت الأنقاض، رغم مرور أشهر على توقف العمليات العسكرية الواسعة وبدء سريان وقف إطلاق النار، في واحدة من أكثر الحصائل صدمة منذ بدء العدوان.
وقال المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل إن أكثر من 3000 شخص آخرين ما زالوا في عداد المفقودين، موضحًا أن “مصيرهم لا يزال مجهولًا، ولا يُعرف ما إذا كانوا على قيد الحياة، أو شهداء تحت الركام، أو معتقلين لدى الاحتلال”.
وأكد بصل أن فرق الإنقاذ رصدت تحلل واختفاء جثث مئات الضحايا أثناء عمليات البحث، نتيجة طول المدة، والحرارة، واستخدام أسلحة عالية التدمير، إضافة إلى تعذر الوصول السريع إلى مواقع القصف خلال الحرب.
وتأتي هذه الأرقام بعد انتشال أكثر من 700 جثة منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول، ما يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي لا تزال تتكشف فصولها، رغم توقف القصف المكثف.
وكان تحقيق نشرته قناة الجزيرة هذا الأسبوع قد كشف أن إسرائيل استخدمت أسلحة حرارية وحرارية-ضغطية محظورة دوليًا في غزة، ما أدى إلى “تبخر” ما لا يقل عن 2800 جثة فلسطينية، وفق وصف التحقيق، في دلالة على شدة الانفجارات وحرارتها العالية التي لم تترك أثرًا بشريًا قابلًا للتعرف عليه.
ولا تزال عمليات البحث والإنقاذ تواجه عوائق جسيمة، أبرزها استمرار الهدم والقصف الإسرائيلي في مناطق متفرقة من القطاع، إضافة إلى الذخائر غير المنفجرة المنتشرة تحت الأنقاض، وقيود إسرائيل الصارمة على دخول المعدات الثقيلة وآليات إزالة الركام.
وبحسب تقارير محلية، نفذت القوات الإسرائيلية عمليات هدم واسعة النطاق في خان يونس جنوب القطاع يوم الجمعة وحده، بالتزامن مع قصف متجدد في مدينة غزة، حيث أُلقيت عبوات ناسفة على منازل في حي الزيتون، إضافة إلى إطلاق نار عشوائي باتجاه الساحل.
كما أفادت مصادر ميدانية بتعرض مناطق في شمال ووسط غزة لهجمات إضافية، شملت قصفًا في مناطق لا تخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي، ما يثير تساؤلات حول جدية الالتزام بوقف إطلاق النار.
ووفق تقييم صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، فإن قطاع غزة مدفون تحت ما لا يقل عن 61 مليون طن من الأنقاض، ما يجعل عمليات البحث عن الجثث بالغة الخطورة، سواء على فرق الإنقاذ أو على المدنيين العائدين إلى مناطقهم المدمرة.
وحذرت المنظمة من أن نحو 15% من هذه الأنقاض قد تكون ملوثة بالأسبستوس أو النفايات الصناعية أو المعادن الثقيلة، إذا لم تُفصل بشكل مبكر ومدروس، ما ينذر بكارثة بيئية وصحية طويلة الأمد.
وأشار التقرير إلى أن قرابة ثلثي الركام نتج خلال الأشهر الخمسة الأولى من الحرب، في حين تسارع تدمير المباني والبنية التحتية في الأشهر التي سبقت وقف إطلاق النار، ما يعكس نمطًا ممنهجًا من التدمير الشامل.
وومنذ دخول اتفاق الهدنة حيز التنفيذ في أكتوبر، وثّقت مصادر طبية وحقوقية مئات الانتهاكات الإسرائيلية، أسفرت عن استشهاد نحو 600 فلسطيني وإصابة أكثر من 1500 آخرين، في ما تصفه منظمات محلية بأنه “وقف نار هش من طرف واحد”.
وبحسب آخر الإحصاءات، قتلت إسرائيل أكثر من 72 ألف فلسطيني خلال العامين الماضيين، ودمرت ما يقرب من 90% من البنية التحتية في قطاع غزة، بما يشمل المنازل، والمستشفيات، وشبكات المياه والكهرباء، والمدارس.
ومع امتلاء المقابر الجماعية والعشوائية، وتعذر الوصول إلى آلاف الجثث، تواجه غزة أزمة غير مسبوقة في إدارة الموت، حيث تُدفن بعض الجثث من دون توثيق، فيما لا تزال عائلات بأكملها تنتظر خبرًا عن أحبائها المفقودين.
ويحذر الدفاع المدني من أن استمرار منع إدخال المعدات الثقيلة وفرق دولية متخصصة قد يؤدي إلى ضياع آلاف الجثث إلى الأبد، ما يحرم العائلات من حق الوداع، ويحول دون أي تحقيق جنائي أو قانوني مستقبلي في حجم الجرائم المرتكبة.
في غزة، لا تزال الحرب حاضرة تحت الركام. وبين الأنقاض، لا تُدفن الأجساد فقط، بل تُدفن أيضًا الحقيقة، والعدالة، وذاكرة مدينة كاملة تبحث عن موتاها.




