البرازيل : الشرطة التي تملك “رخصة للقتل” بحجة محاربة الجريمة

برازيليا – قدس اليومية

تعيش البرازيل منذ عقود صراعا طويلا مع العنف والجريمة والفقر، تضخم بشكل مُفرط منذ وصول الرئيس اليميني المتطرف جائر بولسونارو إلى سدّة الحكم عام 2018، خاصة وأن هذا العسكري السابق، أبدى مرارا وتكرارا، ميلا إلى تطبيق أساليب عسكرية واستبدادية في حكمه، مستعينا بأجهزة الدولة الأمنية مثل الشرطة، التي تجتاح الأحياء الفقيرة دون حسيب أو رقيب.

 

وأعدت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية، تقريرا مطولا حول عنف الشرطة التي تملك “رخصة للقتل” بحجة محاربة الجريمة، إذ سجّل العام الماضي، رقما قياسيا بأعداد القتلى من المواطنين بنيران الشرطة، بلغ 1814 “مدنيا”، في دولة تعاني من تاريخ طويل من وحشية الشرطة، وقيادة سياسية تعهدت بـ”حفر القبور” للقضاء على الجريمة.

 

ورصدت الصحيفة مثلا للقتل العشوائي وغير المبرر، بقضية الفتى رودريغو دوس سانتوس (16 عاما)، والذي قُتل في أحد أحياء مدينة ريو دي جينيرو العملاقة، مؤخرا، أثناء ركوبه دراجة نارية، حاملا على ظهره حقيبة مليئة بالمخدرات، دون أن يشكل أدنى خطر على الشرطة، أو أن يمتلك سلاحا حتى. ولفتت الصحيفة أيضا إلى أن الضابط الذي قتله، سيرخيو بريتو، كان لا يزال في الخدمة رغم محاكمته بتهمة قتل رجل آخر من مسافة قريبة.

 

“حفر القبور” بأي ثمن، حتى وإن خرق القانون

 

ذكرت الصحيفة أن القانون يتيح لأفراد الشرطة استخدام “القوة المميتة”، أي القتل، شرط أن يكونوا تحت تهديد وشيك. ولكن وفقا لتحليل أجرته الصحيفة لـ48 حالة قتل ارتكبها عناصر الشرطة في منطقة ريو دي جينيرو، يظهر أنهم يلجؤون للقتل دون ضابط، وبحماية ودراية كاملة من مسؤوليهم، ومعرفة تامة من أنهم حتى لو أُخضعوا لتحقيقات في عمليات قتل غير قانونية، فإن ذلك لن يؤثر على عملهم.

 

وقالت الصحيفة إن نصف عمليات التصفية التي قام بها أفراد الشرطة، على الأقل، ارتُكبت عبر إطلاق النار على “الجناة” أو “المشتبه بهم” من الخلف، وبغرض القتل، إذ أنه في كل حالة منها، أُطلقت عدّة رصاصات على الضحية، الأمر الذي يثير شكوكا حول طبيعة “التهديد الوشيك” الذي يُفترض أن عناصر الشرطة برروا قتلهم للضحايا بسببه.

 

واللافت بحسب الصحيفة، أنه في جميع عمليات القتل هذه، لم يُصب إلا شرطيين، وأحدهما أُصيب بعيار ناري بحادث ذاتي، بينما أُصيب الآخر من جرّاء تعثره وسقوطه أرضا.

 

وأظهر التحليل أن ربع عمليات القتل التي وقعت، كان الضباط الذين نفذوها قد سبق اتهامهم بالقتل، فيما نُفذت نصف عمليات القتل على أيدي ضباط اتهموا بجريمة واحدة على الأقل في الماضي.

 

ويعترف بعض المسؤولين بأن ضباط الشرطة يقتلون المشتبه بهم في كمائن مع سبق الإصرار والترصد.

 

بل واستمرت عمليات القتل هذه حتى في ظل عمليات الإغلاق وسط انتشار فيروس كورونا المستجد، إذ قتلت الشرطة 13 شخصا في عملية شنتها على إحدى المناطق الفقيرة في ريو دي جينيرو.

 

لكن عمليات إطلاق النار، بما في ذلك الرقم القياسي لعمليات القتل التي نفذتها الشرطة في الأحياء الفقيرة الخاضعة لسيطرة عصابات المخدرات، لم تولد سوى القليل من الغضب نسبيًا بين البرازيليين المنهكين من العنف.

 

تأييد “شعبي” للقتل

 

قالت الصحيفة إن ارتفاع عمليات القتل الذي تنفذها الشرطة ضد الأشخاص في الأحياء الفقيرة، والتي تزامنت مع انخفاض عام في معدلات الجريمة في المدينة، تتوافق مع تعهدات بولسونارو، وحاكم المدينة، ويليام ويتزل، والذي تولى منصبه عام 2019. إذ أن كلاهما تعهدا بشن حرب شاملة ضد “المجرمين”.

 

وأمر ويتزل الشرطة بقنص المشتبه بهم بالشارع من على متن طائرات الهليكوبتر، في حين ضغط بولسونارو لحماية الضباط الذين يقتلون أشخاصا “بسبب الخوف أو الغضب” (على حد تعبيره)، أثناء خدمتهم.

 

وصرح الرئيس المتطرف في السابق، أن المجرمين يجب أن “يموتوا في الشوارع مثل الصراصير”.

 

وفي انتقاد حاد للتوجه الأمني هذا، قالت المديرة التنفيذية لمعهد إيغارابي المخصص لدراسة السلامة العامة، إيلونا زابو: “في دولة يسود فيها الإفلات من العقاب، تمنح الإدارة (الحالية) الشرطة رخصة للقتل”.

 

تهليل أمني بحكم بولسونارو

 

أثار صعود السيد بولسونارو فرحة لدى العديد من ضباط الشرطة في ريو دي جينيرو التي فشل مسؤولوها على مدار عقود في كبح هيمنة العصابات التي تسيطر على مجتمعات كبيرة من ذوي الدخل المنخفض، والفقراء، وتبيع المخدرات والبضائع علنا من شاحنات البضائع المسروقة.

 

وليس غريبا أن يكون من بين حشود المؤيدين الذين احتفلوا بظهور سياسيين يروجون للقبضة الحديدية بالتعامل مع الجريمة، الضابط بريتو المذكور أعلاه، والضالع في مقتل كثيرين. إذ كتب في منشور على “فيسبوك” عشية فوز بولسونارو: “لقد وصل عهد جديد، عهد الاضطهاد”.

 

قصة ضابط تعبر عن بلد بأكمله

 

أصبح بريتو، البالغ من العمر 38 عاما، ضابطا في الشرطة العسكرية في عام 2002، وانضم إلى القوة التي تتحمل المسؤولية الأساسية عن عمل الشرطة في الخطوط الأمامية في البرازيل. ومنذ عام 2010، لعب دورًا في 20 حالة قتل على الأقل أثناء الخدمة، وهو عدد بالغ الارتفاع وفقا لتقارير الشرطة.

 

وفي عام 2016، حاول المدعون العامون طرد بريتو من الخدمة، فوقتها كان مُتهم بقتل تاجر مخدرات مشتبه به عمره 20 عاما، من مسافة قريبة خلف أذنه اليمُنى، مما يُشير إلى احتمال إعدامه بعد اعتقاله.

 

وأمر أحد القضاء عام 2017، قسم الشرطة بسحب الرقيب بريتو من الميدان ومصادرة سلاحه، لكن محامي الضابط أكد أنه ضابط “متفاني تصرف دفاعًا عن النفس”، مما دفع قاضيا ثانيا إلى إعادته للخدمة.

 

وبحلول مطلع عام 2018، عاد بريتو برتبة نقيب إلى الوحدة رقم “41”، والتي يقع تحت سلطتها الحي الذي قُتل فيه رودريغوا العام الماضي. ويعرف تجار المخدرات وسكان الحي بريتو بلقب”بابي”، ويتحدثون عنه بفزع شديد.

 

وعند توجه الصحيفة للملازم الكولونيل فينيسيوس كارفالهو، الذي كان يدير الكتيبة 41 حتى وقت قريب، بسؤال عن سبب الإبقاء على بريتو رغم تاريخه الحافل بالقتل، أجاب أن المشرفين في المناطق القاسية، “يضطرون” إلى الاعتماد في أحيان كثيرة على ضباط الشرطة المتشددين الذين يزدهرون في البيئات الخطرة، حتى أولئك المتهمين بالقتل أو المشتبه في ارتكابهم جرائم أخرى، بسبب معاناة الشرطة من نقص شديد في العناصر.

 

وتفتقر الشرطة العسكرية في ريو دي جانيرو إلى 15 ألف ضابط عن القوة المأذون التي يُفترض أن يبلغ عددها 60 ألف عنصر، وتُعد الفجوة بين المطلوب والموجود حادة بشكل خاص في المناطق العنيفة. وفي مطلع كانون الثاني/ يناير، كانت القوة “41”، تضم 612 ضابطا، وهو أقل من نصف العدد الذي تراه إدارة الشرطة ضروريا. وتعدي الشرطة أن من بين هؤلاء خرج أكثر من 20 بالمئة في إجازات أو انسحبوا من الشوارع بسبب إعاقة جسدية أو نفسية.

 

ضباط يقتلون من أجل القتل

 

قال كارفاليو إن الضباط الضالعين في جريمة قتل، توقفهم الشرطة عن العمل لبضعة أيام حتى يهدأوا. لكنه قال إن القيام بذلك في المناطق التي تكون فيها المعارك بالأسلحة النارية حقيقة شبه يومية، ستكون “خيالية”.

 

وأقر كارفاليو أن الضباط الذين يُعلق عملهم لبضعة أيام، يطلبون في كثير من الأحيان العودة إلى العمل لأن القتال يحتوي على ميزة إدمانية على الأدرينالين.

 

وأضاف معللا أن “رائحة العرق بعد القتال، تختلف عن أي رائحة أخرى”.

 

وتُعد كتيبة “41” المعروفة باسم “كتيبة الموت”، واحدة من أكثر وحدات الشرطة عنفا في ريو دي جانيرو منذ إنشائها في عام 2010 لتعزيز الأمن في منطقة يعيش فيها نحو نصف مليون شخص.

 

وتسيطر عصابتا مخدرات على معظم المنطقة الخاضعة لمسؤولية الكتيبة، وهما “القيادة الحمراء” و”القيادة الثالثة النقية”، وهي تضم نحو 50 عشوائية وحي فقير، وغالبا ما تتصادم العصابتان في معارك على السيطرة.

 

ويمارس تجار المخدرات سيطرتهم من خلال رشو عناصر الشرطة، ونصب الحواجز المادية المصنوعة من ألواح فولاذية محاطة بإطارات تشتعل بالنيران كلما داهمت مناطقهم الشرطة، لتأخير المركبات المدرعة التي يستخدمها ضباط الشرطة في شن غاراتهم.

 

محاولة فرض رقابة قانونية على الكتيبة

 

في عام 2015، تسببت السمعة السيئة للتكيبة “41”، واستخدامها المفرط لـ”القوة المميتة”، بدفع المدعين العامين إلى نصبها هدفا أمام أعينهم للتحقيق في ممارسات أفرادها غير القانونية.

 

وبالفعل، بحلول عام 2018، انخفض معدل عمليات القتل التي نفذها عناصر الكتيبة بنحو 30 بالمئة.

 

ولكن ذلك لم يدم، فمع مطلع عام 2019، والذي شهد بداية رئاسة بولسونارو، ارتفعت معدلات عمليات القتل خارج نطاق القانون بأكثر من 20 بالمئة على مستوى الولاية، و22 بالمئة على مستوى الكتيبة “41”.

 

وزعم الكابتن ويليازن أندراري، المشرف على إحدى وحدات الشرطة في المنطقة، أثناء مروره بجانب حي فقر يُعرف باسم “بن لادن” بسبب شدة الاقتتال فيه، إذ ينضم المراهقون إلى العصابات في سن 14 عاما بسبب غياب البدائل والفقر المدقع، أن “ما من ضابط شرطة يغادر منزله راغبا في قتل شخص ما. ولكن لا يمكنك أن تتوقع أن المجرمين سيحترمونه عندها”.

 

سوء الأوضاع المعيشية محرك للعنف

 

لفتت الصحيفة إلى أن رودريغو، المراهق الذي قتله الشرطي بريتو العام الماضي، كان يعيش مع شقيقته ووالده منذ الصغر، بعدما تركتهما والدتهما، التي كانت تتعرض للضرب من قبل زوجها.

 

وصارع رودريغو منذ نعومة أظافره للبقاء في المدرسة، لكن تردي الأحوال الاقتصادي والتعليمية منعه من الاستمرار في مسيرته التعليمية، وكانت العصابات في انتظاره لينضم إليها بعد عام واحد من خروجه من المدرسة، وذلك ينطبق على آلاف المراهقين غيره في المنطقة.

 

وقالت وزيرة التعليم السابقة في ريو دي جينيرو، كلوديا كوستين، لـ”نيويورك تايمز” عن النظام المدرسي المضطرب: “تصبح قوة العمل البرازيلية أكثر فقرا (يوما بعد يوم)، والنظام الأمني مثقل بمرشح آخر للجريمة”.

 

وبعد ساعات من وفاة رودريغو، أخبر الضابطان بريتو وأتاليبا المحققين أن الشاب البالغ من العمر 16 عاما أُصيب بعيارات نارية خلال تبادل لإطلاق النار بين الشرطة وتجار المخدرات. لكن ثلاثة شهود في المنطقة في ذلك الوقت قالوا إنه لم يكن هناك أي من أفراد العصابات المسلحة عندما فتح الضباط النار.

 

قتل دون رقيب أو حسيب

 

قالت المدعية العامة أندريا أمين، والتي تقود فريقا يحقق في عمليات القتل التي تقوم بها الشرطة، إن إقامة الدعاوى ضد ضباط الشرطة، أمر صعب للغاية لأن أقارب الضحايا يخشون من أن الإبلاغ عن انتهاكات الشرطة سيجعلهم عرضة للانتقام.

 

وأكدت على أنه “إذا لم نكن حذرين، فيمكننا تعريض شخص ما للخطر. ويمكن أن يموت”.

 

ويقول المدّعون إنه نظرا لانعدام المساءلة عن عمليات القتل التي تقوم بها الشرطة، فإن القتل غالبا ما يستخدم كأداة ابتزاز من قبل رجال الشرطة الفاسدين.

 

وقال ثلاثة تجار مخدرات يعشيون في المنطقة الخاضعة لكتيبة “41”، أنهم تعرضوا للتعذيب والابتزاز على أيدي ضباط الشرطة.

 

وشدد تجار المخدرات والمقيمين، الذين تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هويتهم خوفًا من الانتقام، على أن الضباط طالبوهم بمبالغ كبيرة من المال، وهددوا بالقبض عليهم أو قتلهم إذا لم يدفعوا.

 

وقالت الصحيفة إن دورة العنف هذه، تعني أن العديد من الأطفال الذين نشأوا في الأحياء الفقيرة تتملكهم كراهية عميقة للشرطة، وهو شعور ينعكس بشدة في الكتابات على الجدران، والتي تدعو إلى قتل رجال الشرطة.

اقرأ السابق

الصحة إجراءاتنا الاحترازية ساهمت بخلو غزة من كورونا ..والاوقاف تباشر بفتح المساجد

اقرأ التالي

الصحة الفلسطينية :تسجيل 5 إصابات جديدة بفيروس كورونا في الضفة الغربية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *