تجاهلت المحكمة الجنائية الدولية ومسؤولون رفيعو المستوى في جمعية الدول الأطراف الدعوات الأميركية لإسقاط التحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة، وتعديل نظام روما الأساسي بما يمنح المواطنين الأميركيين والإسرائيليين حصانة فعليّة من الملاحقة الدولية.
وكشف موقع “ميدل إيست آي” البريطاني أن هيئة الرقابة في المحكمة رفضت مطالب واشنطن، التي سعت إلى ربط رفع العقوبات الأميركية بإغلاق ملفات فلسطين وأفغانستان.
ففي ختام اجتماعات جمعية الدول الأطراف في لاهاي هذا الأسبوع، أصدرت الدول الأعضاء – البالغ عددها 125 دولة – بيانًا شديد اللهجة تعهدت فيه بحماية استقلال المحكمة “في مواجهة التهديدات والتدابير القسرية”.
وذلك في إشارة واضحة إلى العقوبات الأميركية التي طالت قضاة المحكمة والمدعي العام كريم خان منذ مايو/أيار الماضي. ويأتي هذا الموقف في وقت وصلت فيه الضغوط الأميركية إلى حدّ غير مسبوق منذ تأسيس المحكمة عام 2002.
ضغوط غير معترف بها رسميًا
بحسب دبلوماسيين تحدثوا إلى “ميدل إيست آي”، فقد وجّهت إدارة ترامب – في الأسابيع التي سبقت اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة – رسائل عبر قنوات أوروبية تطالب المحكمة بإغلاق تحقيقاتها في فلسطين وأفغانستان، مقابل رفع العقوبات عن كبار مسؤولي المحكمة.
كما طالبت واشنطن بصياغة تعديل على نظام روما يحظر محاكمة مواطني الدول غير الموقعة على المعاهدة، وهو تعديل من شأنه إنهاء التحقيق في جرائم الحرب الروسية في أوكرانيا أيضًا.
وأفاد ثلاثة دبلوماسيين مطلعين أن ممثلًا لدولة أوروبية نقل المطالب الأمريكية الشهر الماضي إلى وفود الدول الأعضاء في اجتماع رسمي. وبينما سعت بعض الدول إلى إبقاء باب “الحوار” مفتوحًا لتجنب تصعيد العقوبات، رفضت الأغلبية الساحقة أي مقترحات تمسّ استقلال المحكمة.
وقال أحد أعضاء جمعية الدول الأطراف: “إما أن نقاتل أو نموت. إما أن نسبح أو نغرق. وكان هناك إصرار على السباحة ضد التيار.”
إجماع على رفض الإملاءات الأميركية
تشير مصادر دبلوماسية إلى أن النسخة النهائية من البيان الختامي كانت “إصدارًا مخففًا” من صياغات أكثر صدامية، إلا أنها وجّهت رسالة واضحة بأن المحكمة لن تكون رهينة للضغوط الأميركية.
ورغم أن البيان لم يذكر الولايات المتحدة صراحة، فإنه أدان كل تدابير العقوبات ضد القضاة والمدعين والمتعاونين مع المحكمة، بما في ذلك منظمات المجتمع المدني.
وأكد دبلوماسي كبير من إحدى الدول الموقعة أن أي تعديل على نظام روما بهدف إرضاء واشنطن “سيقوّض المحكمة أكثر من العقوبات نفسها”، مضيفًا أن “دولًا عديدة لن تجد مبررًا للبقاء في المحكمة إذا فُتح باب الحصانات”.
العقوبات: سلاح واشنطن الجديد
فرضت إدارة ترامب خلال العام الجاري عقوبات مالية وحظر تأشيرات على المدعي العام كريم خان ونائبيه وستة قضاة، بالإضافة إلى المقرر الأممي الخاص بفلسطين وثلاث منظمات فلسطينية. كما لوّحت بفرض عقوبات مباشرة على المحكمة نفسها.
وتركت العقوبات أثرًا كبيرًا على الحياة اليومية لتسعة من كبار مسؤولي المحكمة، إذ أصبح سفرهم محدودًا، وتم تجميد وصولهم إلى أجزاء من النظام المالي العالمي.
وأكد مسؤولون في المحكمة لـ”ميدل إيست آي” أنهم ينفذون تدابير سرية لمواجهة العقوبات وضمان استمرار عمل المحكمة دون تعطيل.
وتواجه المحكمة ضغوطًا أشد بسبب تحقيقها المستمر في جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية. فعام 2024 شهد صدور مذكرات اعتقال تاريخية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت بتهم بينها استخدام التجويع كسلاح حرب، في سابقة هي الأولى ضد مسؤولين من دول حليفة للغرب.
وفجر هذا الإجراء موجة تهديدات أميركية وبريطانية. فقد هدد وزير الخارجية البريطاني السابق ديفيد كاميرون بوقف تمويل المحكمة والانسحاب منها في حال إصدار المذكرات.
كما قال السيناتور الأميركي ليندسي غراهام لمسؤولي المحكمة: “إذا مضيتم قدمًا في مذكرات اعتقال الإسرائيليين، فالعقوبات ستأتي فورًا.”
ورغم ذلك، رفض الخبراء والقضاة الذين تحدثوا إلى “ميدل إيست آي” فكرة التراجع عن التحقيق. وقال أحد أبرز قضاة المحكمة المعاقَبين: “العقوبات لن تثنينا. المحكمة ليست أداة سياسية.”
استقلالية قانونية لا يمكن كسرها
أكد دبلوماسيون أن الدول الأعضاء لا تمتلك صلاحية إسقاط قرارات اتخذها القضاة أو المدعي العام. وقال أحدهم: “هناك أمور لا تندرج ضمن اختصاص الدول الأطراف… لا يمكن التراجع عن تحقيق بدأته المحكمة.”
كما استبعد خبراء أن تقبل المحكمة الطعن الإسرائيلي الجاري ضد اختصاصها في الأراضي الفلسطينية، بالنظر إلى انضمام دولة فلسطين رسميًا إلى نظام روما عام 2015.
وتتولى المحكمة اليوم التحقيق في 12 ملفًا حول العالم، من فلسطين إلى أوكرانيا وأفغانستان والفلبين وليبيا ودارفور. إلا أن ملف فلسطين بات يمثل الاختبار الأشد لمدى قدرة المحكمة على الصمود أمام ضغوط القوى الكبرى.
وبينما تواصل الولايات المتحدة وإسرائيل رفض اختصاص المحكمة، تبدو الدول الأعضاء مصممة — لأول مرة منذ سنوات — على حماية المؤسسة القضائية الدولية الوحيدة القادرة على محاكمة كبار المسؤولين عن الجرائم الدولية، مهما كان نفوذهم السياسي.





