حذرت منظمات حقوقية فلسطينية من أن الإجراءات التأديبية الجارية بحق المدعي العام الموقوف للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان تحولت إلى مسار ذي طابع سياسي يهدد استقلال المحكمة ويقوض أسس العدالة الدولية، وذلك قبل أيام من تصويت الدول الأعضاء على مستقبله.
وأكد مجلس منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية (PHROC) وشبكة المنظمات غير الحكومية الفلسطينية (PNGO)، اللذان يضمان أكثر من 140 منظمة مجتمع مدني، أن موقفهما لا يتناول صحة الاتهامات أو دفاع كريم خان، وإنما يركز على سلامة الإجراءات القانونية، محذرين من أن آلية التحقيق الحالية تشهد تجاوزات تمثل خرقًا لضمانات المحاكمة العادلة وسيادة القانون.
واعتبر البيان المشترك أن العملية التأديبية “اختُزلت إلى استفتاء سياسي” تحكمه مصالح الدول الأعضاء أكثر مما تحكمه المعايير القانونية، مؤكداً أن هذا المسار يفتح الباب أمام تدخلات سياسية تمس استقلال المحكمة الجنائية الدولية.
وأشار البيان إلى أن المصالح السياسية للدول الأطراف لا يمكن فصلها عن القضايا التي ينظر فيها المدعي العام، وفي مقدمتها التحقيقات المتعلقة بفلسطين، وهو ما يثير مخاوف من أن تكون الاعتبارات السياسية قد أصبحت مؤثرة في القرارات الخاصة بقيادة المحكمة.
ودعت المنظمتان الدول الأعضاء في جمعية الدول الأطراف إلى حماية استقلال المحكمة والمدعي العام، محذرتين من الضغوط السياسية الخارجية التي تتعرض لها المؤسسة القضائية، ومشددتين على ضرورة عدم السماح للهيئات السياسية بالتأثير في عمل القضاء الدولي.
ومن المقرر أن تعقد جمعية الدول الأطراف، التي تضم 125 دولة، اجتماعًا خاصًا في مقر الأمم المتحدة بنيويورك في 24 يوليو الجاري للتصويت على مستقبل كريم خان، بعد قرار المكتب التنفيذي للمحكمة تعليق مهامه في يونيو الماضي على خلفية اتهامات بسوء سلوك جسيم، وهي اتهامات ينفيها خان بصورة قاطعة.
وانتقد البيان قرار المكتب التنفيذي المضي في إجراءات العزل رغم النتائج التي توصلت إليها لجنة مستقلة شكلها المكتب نفسه وضمت ثلاثة قضاة دوليين كبار، حيث خلصت اللجنة إلى أن الأدلة المتوافرة لا تثبت وقوع سوء سلوك وفق المعيار الجنائي المعتمد لدى المحكمة، وأشارت إلى أن التحقيق استند إلى روايات متضاربة وأدلة غير مباشرة.
ورأى بيان المنظمات الحقوقية أن المكتب التنفيذي تجاوز النتائج القانونية للجنة عندما اعتبر أن الوقائع تشكل سوء سلوك جسيم، رغم عدم صدور توصيف قانوني بهذا المعنى من اللجنة المختصة.
كما انتقد البيان اعتماد المكتب على ادعاءات لم تخضع لتحقيق قانوني كامل، من بينها القول إن خان أقام علاقة غير ملائمة مع صاحبة الشكوى بسبب اختلال موازين القوة بين الطرفين، مؤكداً أن هذا الوصف لم يرد على لسان أي من الطرفين، وأن القرار لم يثبت وقوع أي سلوك جنسي غير رضائي، وهو جوهر الشكوى الأصلية.
واعتبر أن المكتب التنفيذي، بوصفه هيئة سياسية تضم ممثلين دبلوماسيين للدول، لا يتمتع بالاستقلالية أو الخبرة القانونية اللازمة لإعادة تفسير الوقائع أو تجاوز تقييمات اللجنة القضائية المستقلة، محذرتين من أن ذلك يهدد مصداقية المحكمة وإجراءاتها القانونية.
كما انتقد البيان التعديلات التي أُدخلت على آلية التصويت الخاصة بعزل المدعي العام، معتبراً أنها خفضت سقف الأصوات المطلوبة لاتخاذ القرار وألغت ضوابط كانت توفر حماية إضافية لاستقلال المنصب، الأمر الذي قد يسهل اتخاذ قرارات ذات طبيعة سياسية.
وربط البيان بين الإجراءات التأديبية الجارية وبين الضغوط التي تعرض لها كريم خان منذ شروع مكتبه في التحقيق بجرائم الحرب المرتبطة بالحرب على قطاع غزة، وسعيه في مايو 2024 إلى إصدار مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الجيش الإسرائيلي السابق يوآف غالانت.
وأشار البيان إلى أن تلك الخطوة أعقبتها عقوبات أمريكية استهدفت المحكمة ومسؤولين فيها، قبل أن تتوسع لاحقًا لتشمل نواب المدعي العام وعددًا من قضاة المحكمة، إلى جانب المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بفلسطين ومنظمات فلسطينية قدمت أدلة إلى المحكمة.
وأضاف أن عدداً من الدول التي تشارك حالياً في إدارة المحكمة سبق أن طعنت في اختصاصها بالنظر في القضية الفلسطينية، كما تقدمت دول أخرى بطعون قانونية ضد مذكرات الاعتقال الصادرة بحق مسؤولين إسرائيليين، وهو ما يعزز المخاوف من تأثير الحسابات السياسية على مسار القضية.
وحذر من أن استمرار هذه الإجراءات قد يخلق سابقة خطيرة تسمح للدول باستخدام نفوذها السياسي للتأثير على عمل المحكمة، بما يهدد التحقيقات المتعلقة بفلسطين ويقوض جهود المساءلة الدولية عن الجرائم المرتكبة.
وأكد البيان أن العملية التأديبية الجارية لم تحقق العدالة لأي من الأطراف، بل ألحقت ضرراً بسمعة المحكمة الجنائية الدولية وأضعفت الثقة باستقلالها، داعياً الدول الأعضاء إلى ضمان احترام الأصول القانونية ومنع أي تدخل سياسي في عمل المؤسسة القضائية الدولية، حفاظاً على نزاهة المحكمة ودورها في ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية بعيداً عن الضغوط والمصالح السياسية.





