دعت أيرلندا الاتحاد الأوروبي إلى فرض حظر شامل على التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في خطوة تعكس تصاعد الغضب الأوروبي من سياسات حكومة الاحتلال وتزايد الضغوط لعزل المشروع الاستيطاني الإسرائيلي.
وأكدت وزيرة الخارجية الأيرلندية هيلين ماكنتي أن الوقت حان لكي “يتحرك الاتحاد الأوروبي ويرد على السلوك الإسرائيلي”، مشيرة إلى أن دبلن تستعد لإقرار تشريع وطني خاص بها خلال أسابيع لحظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية.
وجاءت التصريحات قبل اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل، وسط تصاعد الدعوات الأوروبية لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد حكومة الاحتلال، خاصة بعد الاستفزازات الأخيرة التي قام بها وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير ضد نشطاء “أسطول الحرية”.
وقالت ماكنتي إن السلوك الإسرائيلي خلال الأيام الأخيرة، بما في ذلك احتجاز نشطاء أيرلنديين وأوروبيين في المياه الدولية، يعكس استمرار انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي بصورة متكررة.
وأضافت أن أيرلندا ستطلب رسمياً من المفوضية الأوروبية إعداد مقترحات لحظر التجارة مع المستوطنات التي يعتبرها الاتحاد الأوروبي غير شرعية منذ عام 1967.
وتأتي الخطوة الأيرلندية بالتزامن مع تحركات أوروبية متزايدة ضد الاستيطان الإسرائيلي، حيث وافقت الحكومة الهولندية رسمياً على مشروع لحظر استيراد منتجات المستوطنات، بانتظار مصادقة البرلمان.
كما أصدرت كل من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة بياناً مشتركاً حذرت فيه الشركات الأوروبية من المشاركة في مشروع “E1” الاستيطاني الإسرائيلي، الذي يهدف إلى بناء 3400 وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية المحتلة.
وأكد البيان أن المشروع يهدد بتقسيم الضفة الغربية وعزل أجزاء واسعة منها عن القدس الشرقية، مشدداً على أن الشركات المشاركة في المشروع ستنتهك القانون الدولي.
كما أدانت الدول الأوروبية دعوات الضم والتهجير القسري التي يطلقها مسؤولون في حكومة الاحتلال، بينهم وزراء محسوبون على تيار الاستيطان المتطرف.
وفي مؤشر على اتساع الغضب الأوروبي، قال وزير التجارة الخارجية والتعاون الإنمائي السويدي بنيامين دوسا إن “العديد من الدول الأوروبية سئمت من سلوك إسرائيل”، مؤكداً أن تصرفات بن غفير الأخيرة غيّرت الديناميكيات داخل الاتحاد الأوروبي.
وأضاف أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يتحرك نحو تشديد القيود على تجارة المستوطنات، بما يشمل فرض رسوم جمركية مرتفعة أو قيود على التصدير والاستيراد.
وأشار إلى أن الهدف يجب أن يكون “وقف تدفق المنتجات القادمة من الأراضي المحتلة التي سُلبت من أصحابها”.
وتنص السياسة الأوروبية الحالية، المعتمدة منذ عام 2015، على إلزام المتاجر بوضع علامات تميّز منتجات المستوطنات عن المنتجات الإسرائيلية الأخرى، لكنها لا تمنع استيرادها.
إلا أن فرنسا والسويد طالبتا الشهر الماضي المفوضية الأوروبية بالانتقال من سياسة “التمييز” إلى سياسة “التقييد أو الحظر” الكامل للتجارة مع المستوطنات غير القانونية.
وتبلغ قيمة التجارة السنوية بين الاتحاد الأوروبي والمستوطنات الإسرائيلية نحو 340 مليون يورو، أي أقل من عُشر حجم التجارة الكلية بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل.
لكن رغم تصاعد الضغوط، ما تزال بعض الحكومات الأوروبية تعرقل فرض عقوبات مباشرة على المسؤولين الإسرائيليين المتطرفين، وعلى رأسهم ألمانيا والمجر وجمهورية التشيك.
وكان الاتحاد الأوروبي قد فشل سابقاً في تبني مقترح لمعاقبة بن غفير ووزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش رغم تصاعد دعواتهما العلنية لتوسيع الاستيطان وضم الضفة الغربية.
كما لم ينجح الاتحاد الأوروبي حتى الآن في تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، رغم الضغوط التي قادتها أيرلندا وإسبانيا منذ بداية الحرب على غزة.
ويأتي هذا التحول الأوروبي في ظل تصاعد الانتقادات الدولية لإسرائيل بسبب الحرب على قطاع غزة، وتزايد عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، إضافة إلى تسارع مشاريع التوسع الاستيطاني.
واستندت عدة دول أوروبية في خطواتها الأخيرة إلى الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في يوليو 2024، والذي دعا الدول إلى الامتناع عن أي تعاملات اقتصادية أو تجارية مع المستوطنات الإسرائيلية.
ويرى مراقبون أن التحركات الأوروبية الحالية تعكس تآكلاً متزايداً في صورة إسرائيل داخل أوروبا، خصوصاً مع استمرار الحرب على غزة وتصاعد اتهامات ارتكاب جرائم حرب وانتهاكات واسعة للقانون الدولي.
كما تشير هذه التطورات إلى أن ملف الاستيطان بات يشكل نقطة توتر متصاعدة بين حكومة الاحتلال وعدد متزايد من الحكومات الأوروبية، وسط دعوات متزايدة لربط العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل باحترام القانون الدولي وحقوق الفلسطينيين.





