عبّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن قلق متزايد من تعميق السعودية علاقاتها الإقليمية مع تركيا وقطر، في ما اعتبرته أوساط سياسية وإعلامية إسرائيلية إشارة مباشرة إلى مخاوف تل أبيب من تحولات جارية في موازين القوة والتحالفات في الشرق الأوسط، ولا سيما في سياق ترتيبات ما بعد الحرب في قطاع غزة، بحسب تقرير لصحيفة تايمز أوف إسرائيل.
وقال نتنياهو مؤخرًا إن إسرائيل “تتوقع من أي طرف يسعى إلى التطبيع أو السلام معنا ألا يشارك في جهود تُدار من قبل قوى أو أيديولوجيات تريد عكس السلام”، وهو تصريح فُسّر على نطاق واسع بوصفه رسالة غير مباشرة إلى الرياض، في ضوء انخراطها المتزايد مع أنقرة والدوحة في ملفات سياسية وأمنية إقليمية حساسة.
وتمثل تركيا، وفق تقديرات إسرائيلية، مصدر القلق الأكبر مقارنة بقطر، نظرًا لكونها قوة إقليمية رئيسية وعضوًا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إضافة إلى تقارير تتحدث عن محادثات استكشافية متقدمة لضمها إلى إطار دفاعي ناشئ يضم السعودية وباكستان.
وترى تل أبيب أن أي دور أمني أو سياسي تركي موسّع في الإقليم، وخصوصًا في ملف غزة، قد يحدّ من هامش الحركة الإسرائيلي ويعزز نفوذ أطراف تعتبرها معادية.
وتأتي هذه المخاوف في وقت تواجه فيه الحكومة الإسرائيلية معادلة معقدة. فمن جهة، يتعرض نتنياهو لضغوط داخلية من قاعدته السياسية ومن شركائه في الائتلاف اليميني لإظهار موقف متشدد تجاه أي ترتيبات إقليمية تمنح تركيا أو قطر دورًا في مستقبل غزة.
ويُنظر داخل إسرائيل إلى الدولتين باعتبارهما داعمتين لحركة حماس، سواء عبر القنوات السياسية أو المالية أو الإعلامية.
ومن جهة أخرى، لا يستطيع نتنياهو الدخول في مواجهة مباشرة مع الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب، التي لعبت دورًا محوريًا في هندسة الإطار الدولي الحالي لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة، والذي يتيح لتركيا وقطر أدوارًا أساسية في الوساطة، والإشراف على تنفيذ وقف إطلاق النار، والمشاركة في آليات إعادة الإعمار.
وتشير تايمز أوف إسرائيل إلى أن نتنياهو اختار مسارًا خطابياً غير مباشر للتعبير عن رفضه، عبر تسليط الضوء على “تحولات” في السياسة السعودية، بدل مهاجمة أنقرة أو الدوحة بشكل صريح.
وبهذا الأسلوب، يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي الحفاظ على توازن دقيق: إرسال رسالة طمأنة إلى الداخل الإسرائيلي بأنه يعارض نفوذ تركيا وقطر، من دون تحدي واشنطن علنًا أو التشكيك في الإطار الأميركي الذي تعتمد عليه إسرائيل استراتيجيًا.
لكن هذا النهج لا يخلو من المخاطر. فالإدارة الأميركية، بحسب التقرير، ترى في تركيا وقطر شريكين لا غنى عنهما في إدارة ملفات غزة المعقدة، سواء في ما يتعلق بالرهائن أو بنزع السلاح أو بترتيبات الأمن المؤقت.
كما أن قطر، على وجه الخصوص، تتمتع بوضع خاص لدى واشنطن بفضل استضافتها أكبر قاعدة جوية أميركية في الشرق الأوسط وارتباطها باتفاق دفاعي مشترك، ما يمنحها وزنًا يفوق وزن السعودية في بعض جوانب الحسابات الأميركية.
في المقابل، لا تملك الرياض معاهدة دفاعية مماثلة مع الولايات المتحدة، رغم عمق العلاقات الثنائية. ويرى محللون أن هذا الواقع يدفع السعودية إلى تنويع خياراتها الأمنية وبناء شراكات إقليمية إضافية، من بينها تعميق التعاون مع باكستان وفتح قنوات أكثر انتظامًا مع تركيا، في إطار سياسة تحوّط استراتيجية.
وتزداد حساسية المشهد مع استمرار الخلاف الجوهري بين إسرائيل والسعودية حول مسألة الدولة الفلسطينية. فبينما تصر الرياض على أن أي تطبيع مستقبلي يجب أن يكون مرتبطًا بمسار واضح وذي مصداقية نحو إقامة دولة فلسطينية، يواجه نتنياهو قيودًا سياسية داخلية تمنعه من تبني مثل هذا الالتزام علنًا.
وفي هذا السياق، ترى الصحيفة أن قلق نتنياهو من تقارب السعودية مع تركيا وقطر لا ينفصل عن مأزقه الأوسع: كيفية التوفيق بين متطلبات السياسة الداخلية الإسرائيلية، والاعتماد الاستراتيجي على الولايات المتحدة، والتحولات المتسارعة في بنية التحالفات الإقليمية التي تعيد رسم أدوار القوى الفاعلة في مرحلة ما بعد حرب غزة.




