كشف تحقيق صحفي عن واحدة من أكثر الفضائح المروعة في تاريخ العمل الإنساني الحديث تتعلق بتواطؤ مسؤولين أمميين بخدمة المصالح الإسرائيلية، عبر التماهي مع سياسات التجويع والإخضاع، والتغاضي عن الانتهاكات التي تسببت في موت آلاف الفلسطينيين جوعًا.
و في صلب التحقيق الذي نشرته صحيفة “ذا نيو هيومانيتاريان”، تبرز سوزانا تكاليك، نائبة منسق الشؤون الإنسانية للأراضي الفلسطينية المحتلة، التي اتُّهمت – وفق شهادات 11 من كبار العاملين في المجال الإنساني – بأنها سمحت لإسرائيل بالتلاعب باستجابة المساعدات، وروّجت روايتها الرسمية، وكررت خطابها في أروقة الأمم المتحدة.
وبحسب التحقيق فإنه منذ تعيينها في أوائل 2025، تحولت تكاليك إلى المسؤولة الأممية الأعلى في غزة، تتولى التفاوض مع السلطات الإسرائيلية حول وصول المساعدات الإنسانية.
لكن وفق الشهادات، لم تدافع عن المدنيين الجائعين بقدر ما سهّلت خضوع منظومة الإغاثة لشروط الاحتلال. أحد كبار موظفي الإغاثة صرّح قائلًا: “لقد أصبحت سوزانا صوت إسرائيل داخل منظومة الأمم المتحدة… إنها تكرر حججهم دون تمحيص، وتُحمّل الفلسطينيين مسؤولية الجوع الذي فُرض عليهم”.
ووصف عمال الإغاثة نهجها بأنه “مطيع” و“صامت”، واعتبروا أن مواقفها منحت إسرائيل غطاءً دبلوماسيًا لمواصلة تجويع المدنيين تحت شعار “التنسيق الإنساني”.
طعام للكلاب في زمن المجاعة
أكثر لحظات الفضيحة إيلامًا جاءت حين تفاوضت تكاليك، في ذروة المجاعة، على إدخال شحنة طعام للكلاب الضالة قرب دار ضيافة للأمم المتحدة في دير البلح.
بينما كان سكان غزة يلتهمون أوراق الشجر ويغلي بعضهم علف الحيوانات لتناوله، كانت المسؤولة الأممية تتوسط لدى مكتب تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية (COGAT) لإدخال طعام الحيوانات.
وقد علق أحد موظفي الأمم المتحدة بمرارة: “إنها تهتم بالكلاب أكثر من اهتمامها بالبشر هنا. كنا ننهار من الجوع، بينما تُرسل هي الشاحنات لطعام الكلاب.”
ووصف عمال إغاثة آخرون الواقعة بأنها “إهانة لا حدود لها” للزملاء الفلسطينيين، ودليل على “فقدان الحس الإنساني الكامل”.
إسرائيل تتحكم والأمم المتحدة تُطيع
يُظهر التحقيق أن تكاليك سمحت لإسرائيل بفرض هندستها الخاصة على النظام الإنساني.
فعندما أعلنت تل أبيب نيتها شن هجوم شامل على مدينة غزة في أغسطس/آب، وافقت تكاليك على اتفاق يقضي بتوزيع الخيام في الجنوب – ما فُسِّر داخل الأمم المتحدة كـ”قبول ضمني بالنزوح الجماعي” لمليون شخص.
وقد واجهها أحد مسؤولي الأمم المتحدة بالقول: “لن أكون جزءًا من التطهير العرقي لهؤلاء الناس.”
ورغم شكاوى رسمية رُفعت ضدها داخل المنظمة، استمرت تكاليك في موقعها، تحت غطاء من الصمت المؤسسي.
مساعدات تتحول إلى أداة إخضاع
في مايو/أيار 2025، قادت تكاليك مفاوضات لإدخال الدقيق إلى غزة بعد حصار استمر ثلاثة أشهر.
لكن بدلاً من توزيعه مباشرةً على العائلات، وافقت على تسليمه للمخابز فقط — ما حرم مئات الآلاف من حقهم في الحصول المباشر على الغذاء.
ولم يُبلَّغ قادة المجتمع الفلسطيني بتفاصيل الاتفاق، الذي جرى خلف أبواب مغلقة مع الضباط الإسرائيليين.
حين انفجرت الفوضى أمام المخابز وبدأ الجائعون بالنهب، ألقت تكاليك اللوم على “المجتمع المحلي”، لا على الاحتلال الذي منع المساعدات.
أحد موظفي الأمم المتحدة قال: “لقد حمّلت الضحايا المسؤولية عن الجوع الذي فُرض عليهم قسرًا، وكأنها تتحدث بلسان الاحتلال.”
تهميش الأونروا وتمكين إسرائيل
كشف التحقيق أن تكاليك سعت إلى تهميش وكالة الأونروا، العمود الفقري للإغاثة في غزة منذ عقود، لصالح برنامج الأغذية العالمي (WFP) الذي يتمتع بعلاقات “أكثر قبولًا” لدى إسرائيل.
ووفق مصادر أممية، استُبعد موظفو الأونروا من الاجتماعات الرئيسية، وجرى تفكيك دورهم تدريجيًا.
وقال أحد عمال الإغاثة: “إنها تتجنب الأونروا كما لو أنها لم تعد موجودة… وهذا ما كانت تريده إسرائيل منذ البداية.”
وفي أغسطس، ظهرت المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي سيندي ماكين تصافح بنيامين نتنياهو بعد اجتماع “بنّاء” ناقشا فيه “مكافحة الجوع” — مشهد لخص تواطؤ المساعدات مع القوة العسكرية التي تفرض الحصار نفسه.
شهادات صادمة: “مطيعة وصامتة”
تكاليك، وفق الشهادات، كانت تمتدح السلطات الإسرائيلية في الاجتماعات قائلة: “إنهم يحاولون حقًا… الأمور تسير على ما يرام”.
لكن أحد مسؤولي الأمم المتحدة ردّ بحدة: “هذا جهاز إبادة جماعية، وليس جهة شريكة. إن الصمت هنا تواطؤ.”
وقد كانت ترسل تقارير إيجابية زائفة إلى نيويورك، تُصوّر الوضع وكأنه يتحسن، بينما كانت المجاعة تتعمّق يومًا بعد يوم.
تقرير داخلي للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2025 أكد أن كمية المساعدات الواصلة إلى غزة انخفضت بنسبة 60%، وأن 175 شخصًا ماتوا جوعًا خلال شهر واحد فقط.
كما اتهمها العاملون كذلك بأنها تغيب عن غزة لفترات طويلة، تقضيها في لقاءات مع الإسرائيليين خارج القطاع.
تلك الرحلات كانت تستنزف الموارد المحدودة للأمم المتحدة، وتترك فرق الإغاثة بلا قيادة ميدانية.
قال أحد موظفي الإغاثة: “القيادة في غزة يجب أن تشعر بالجوع معنا لتفهم الواقع، لا أن تأتي في زيارات بروتوكولية ثم تغادر.”
إهانة للصحفيين وللضحايا
في يونيو/حزيران، عقدت تكاليك لقاءً مع الصحفيين في غزة، طالبتهم خلاله بـ”منع النهب”، دون أي إشارة إلى الاحتلال أو الجوع.
وعقب ذلك أصدر الصحفيون بيانًا غاضبًا قالوا فيه: “كل واحد منا جائع… أن تُحمّلنا مسؤولية الفوضى التي سببتها إسرائيل هو إهانة لا تُوصف”، وأعلنوا مقاطعتها نهائيًا.
في المقابل، لم تصدر تكاليك أي اعتذار علني، ولم تذكر كلمة “إسرائيل” في ردها الرسمي الذي تجاوز 800 كلمة، مكتفية بالإشارة إلى “المناطق المسلحة”.
نموذج “غوما” وذهنية الاستعمار الإنساني
تُظهر خلفية تكاليك المهنية في الكونغو واليمن وسوريا أن تجربتها تتركز في الأزمات الإفريقية، حيث تُدار الكوارث غالبًا عبر تفاوض مع سلطات قمعية.
لكن غزة، كما يقول أحد المحققين في التقرير، ليست كغيرها: “هنا لا تتفاوضين مع حكومة فاشلة، بل مع قوة احتلال تمارس الإبادة.”
ويضيف أحد عمال الإغاثة المخضرمين: “السلطات الإسرائيلية تتقن التلاعب بالمنظمات الدولية. يجعلونك تشعرين أنك تُحدثين فرقًا، بينما أنتِ في الحقيقة تُنفّذين أهدافهم.”
وتظهر الوثائق أن سياسات تكاليك – ومعها رئيسها رامز الأكبروف – أدت إلى تفكك القيادة الإنسانية في غزة، حيث باتت كل وكالة تتفاوض منفردة مع إسرائيل.
بعض المنظمات يسعى لإبرام صفقات خاصة لإدخال الوقود أو المواد الغذائية، ما يُكرّس نموذج “التطويع بالحصار”.
أحد كبار مسؤولي الأمم المتحدة قال للصحيفة: “الاحتلال نجح في تحويل العمل الإنساني إلى امتداد لمنظومته الأمنية… الأمم المتحدة لم تعد طرفًا محايدًا، بل أداة من أدوات السيطرة.”
وبحسب التحقيق فإن فضيحة سوزانا تكاليك ليست مجرد حادثة فردية، بل مرآة لأزمة أعمق تضرب منظومة الأمم المتحدة في غزة.
فحين تتحول المؤسسة الأممية إلى شريكٍ في التلاعب، ويصبح إدخال طعام الكلاب أولوية على حساب غذاء الأطفال، تُطرح أسئلة قاسية عن معنى “الحياد الإنساني” في زمن الإبادة.
في كلمات أحد مسؤولي الإغاثة الذين تحدثوا للصحيفة: “لسنا هنا لنجعل المحتل مرتاحًا، بل لحماية المدنيين منه. حين تخشى الأمم المتحدة قول ذلك، تكون قد فقدت روحها.”





