أظهر استطلاع جديد للرأي العام في الولايات المتحدة أن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة منح الرئيس دونالد ترمب دفعةً على صعيد ملف الشرق الأوسط، لكنه لم ينعكس تحسنًا في مكانته الداخلية أو في تقييم أدائه الكلي كرئيس.
فبينما ارتفعت نسبة الموافقين على طريقة تعامله مع الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني إلى نحو 47% (مقابل 37% في سبتمبر)، ظل معدل التأييد العام لقيادته عند حدود أربعة من كل عشرة بالغين—من دون تغيير يُذكر عن الشهر الماضي.
والاستطلاع، الذي أُجري بين 9 و13 أكتوبر، أي بعد الإعلان عن الهدنة وقبل عمليات إطلاق الرهائن والأسرى، يلتقط مفارقة لافتة: نجاحٌ دبلوماسي ذو صدى دولي، يقابله جمود داخلي في مؤشرات الرضا.
ويُعزى الارتفاع في تقييم ملف غزة بدرجةٍ أساسية إلى تحسّن نظرة جزء من الديمقراطيين لأداء ترمب في هذا الملف تحديدًا، ما يشير إلى قدرة القضايا الخارجية على كسر بعض الاصطفافات الحزبية—لكن بصورة انتقائية ومحدودة زمنيًا.
على الجبهة الداخلية، لا تزال العوامل الضاغطة على المزاج العام قوية: إغلاق حكومي دخل أسبوعه الثالث؛ أسعار مرتفعة تلقي بثقلها على أسر واسعة؛ تقلص خدمات الرعاية الصحية وإغلاقات في بعض المستشفيات، بما يضرب حساسية معيشية مباشرة.
وهذه الخلفية تُفسّر لماذا لم يتحول “أثر غزة” إلى ما يُعرف تقليديًا بـ“التفاف الراية” الذي يرفع تأييد الرئيس على نحوٍ شامل.
بكلمات أخرى: الناخب الأميركي يكافئ اختراقًا خارجيًا في الملف ذاته، لكنه لا يمنحه شيكًا على بياض خارج هذا النطاق.
تعليقات المستجيبين تُجسّد هذا المزاج. يقول جاستن ساندرز (31 عامًا) من ألاباما، وهو ناخب جمهوري صوّت لترمب مرتين: “من الرائع نوعًا ما أنه يجلب السلام، لكنني أعتقد أنه ينبغي أن يهتم بالشعب الأميركي أولًا بدلًا من السعي إلى إحلال السلام في العالم قبل ذلك”.
ويضيف سائق “دورداش”: “نحتاج إلى خفض التضخم. سئمت من العيش في صراع يومي، أحاول أن أقرر إن كنت سأتمكن من تناول الطعام أم لا”. شهادته تُظهر أن “حساب الجيب” لا يزال الحاكم الأكبر لتقييم الأداء، حتى بين مؤيدين تقليديين.
من زاوية ديناميات الرأي العام، يحمل هذا النمط ثلاث دلالات رئيسية:
1. تجزؤ الثقة: الناخبون يميزون بين الملفات؛ يمكن أن يمنحوا نقاطًا في السياسة الخارجية من دون تحسين التقييم الشامل. هذا يُحذر من المبالغة في استثمار الاختراقات الدبلوماسية لرفع الرصيد السياسي الداخلي.
2. اقتصاد قبل الجغرافيا السياسية: الضغوط المعيشية—التضخم، كلفة الرعاية الصحية، خدمات الدولة—تظل محدِّدًا أول لرضا الناخبين. أي استراتيجية تواصل لا تُقدّم إجابات ملموسة لهذه العناوين ستظل عاجزة عن تحويل “أثر غزة” إلى مكاسب أوسع.
3. نافذة قصيرة للأثر الخارجي: التجربة الأميركية تظهر أن المكاسب السياسية الناتجة عن إنجازات خارجية تكون غالبًا قصيرة الأجل ما لم تُدعَم بتحسن في المؤشرات الاقتصادية والخدمية.
على المستوى العملي، يبدو ملف غزة قد فتح لترمب بابًا نادرًا لالتقاط تأييد عابر للحزبية في قضية واحدة.
لكن ترجمة ذلك إلى رأسمال سياسي داخلي تتطلب جدول أعمال واضحًا يُجيب عن أسئلة الناخبين اليومية: خطة لترويض الأسعار، خريطة طريق لإعادة فتح الحكومة وإنهاء الشلل الإداري، معالجة قابلة للقياس في ملف الرعاية الصحية، ومسارات متماسكة للهجرة والأمن الحدودي. من دون ذلك، سيبقى أثر الهدنة قطاعيًا ومحصورًا في تقييم ملف الصراع ذاته.
زمنيًا، تجدر الإشارة إلى أن القياسات أُجريت قبل اكتمال عمليات إطلاق الرهائن والأسرى. قد تخلق هذه التطورات لاحقًا “موجة ثانية” محدودة من التحسن في تقييم إدارة ملف غزة، لكن التجربة المتكررة تفيد بأن أي مكسبٍ خارجي سيصطدم سريعًا بسقف القلق الاقتصادي والوظيفي—ما لم تتغير هذه العناوين نفسها.





