لأول مرة منذ بدء الحرب في غزة قبل أكثر من 22 شهرًا، بدأ الخطاب العام داخل إسرائيل يتبدّل من الدفاع المطلق عن العمليات العسكرية إلى التشكيك في أخلاقيتها وضرورتها، في ظل تصاعد معاناة المدنيين الفلسطينيين وانتشار صور المجاعة والدمار في وسائل الإعلام العالمية.
في مشهد أثار الجدل على إحدى القنوات الإخبارية الإسرائيلية، قال مذيع بارز عقب تقرير عن المجاعة في غزة: “ربما حان الوقت للاعتراف بأن هذا ليس فشلًا في العلاقات العامة، بل فشل أخلاقي.”
تصريح يشبه في رمزيته لحظة “والتر كرونكايت” الشهيرة خلال حرب فيتنام، حين قال المذيع الأميركي إن تلك الحرب لا يمكن كسبها، مما اعتُبر نقطة تحول في الرأي العام الأميركي. واليوم، يبدو أن إسرائيل تشهد تحولًا مشابهًا.
علامات التغير تتصاعد
تشير تقارير إعلامية ومحادثات في مجموعات واتساب وحتى أعمدة الرأي في الصحف الكبرى إلى تغير في المزاج العام، بعد أن ظل الإسرائيليون لفترة طويلة يدعمون العمليات ضد حركة حماس، خاصة بعد هجوم 7 أكتوبر 2023 الذي خلّف 1,200 قتيل و250 أسيرا في الجانب الإسرائيلي.
لكن الرد العسكري الإسرائيلي أدى، بحسب وزارة الصحة في غزة، إلى قتل نحو 60,000 شخص، معظمهم من المدنيين، وتدمير البنية التحتية للقطاع بشكل شبه كامل.
مع تفاقم الأزمة الإنسانية، أطلق برنامج الغذاء العالمي تحذيرات متكررة بشأن وضع أكثر من مليوني إنسان في غزة يواجهون مستويات حرجة من انعدام الأمن الغذائي. كما أفادت منظمات الإغاثة بوجود مجاعة واسعة النطاق، وخاصة بين الأطفال والرضّع.
من الصحف إلى الجامعات
الصحفي نحوم برنياع كتب في يديعوت أحرونوت: “بعد المجزرة، كان من الضروري ضرب حماس، لكن حجم الخسائر ومكانة إسرائيل الدولية في تدهور… إسرائيل تتحمّل مسؤولية مشتركة.”
وفي صحيفة جيروزاليم بوست، كتب الاقتصادي شروين بوميرانتز: “ما كانت حربًا عادلة أصبحت الآن حربًا غير عادلة، ويجب أن تنتهي.”
التحول لم يقتصر على المعلقين. فقد وجّه رؤساء خمس جامعات إسرائيلية رسالة مفتوحة إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو طالبوا فيها بـ”تكثيف الجهود لمعالجة أزمة الجوع في غزة”، مؤكدين أن “وفاة الأطفال يوميًا بسبب الجوع والمرض يُفزع ضمائرنا”.
وأشاروا إلى المسؤولية الأخلاقية التي يتحملها الإسرائيليون، قائلين: “نحن شعب عانى من المحرقة، وعلينا أن نفعل كل ما بوسعنا لمنع إيذاء الأبرياء.”
مصطلحات جديدة في الخطاب المحلي
في سابقة لافتة، بدأت منظمتان حقوقيتان إسرائيليتان هما بتسيلم وأطباء من أجل حقوق الإنسان – إسرائيل باستخدام مصطلح “إبادة جماعية” لوصف الوضع في غزة، وهو ما كان يُرفض بشدة في الخطاب الإسرائيلي الرسمي سابقًا.
أما زعيم المعارضة يائير لابيد، فوصف الحرب في خطاب أخير بأنها “كارثة وفشل”، ودعا لإنهائها عبر تنسيق إقليمي يضمن هزيمة حماس دون استمرار النزيف العسكري والإنساني.
ترامب ينتقد حليفه
في مفاجأة غير معتادة، أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المعروف بدعمه القوي لإسرائيل، موقفًا ناقدًا لإدارة نتنياهو، حيث قال خلال زيارته لاسكتلندا: “هذا جوع حقيقي، أراه، ولا يمكن تزييف ذلك.”
وأعلن لاحقًا عزمه إنشاء “مراكز غذائية” في غزة لمواجهة المجاعة، ما أثار استياءً في بعض الأوساط الإسرائيلية التي طالما اعتمدت على الغطاء السياسي من واشنطن.
الرواية الرسمية تتشبث بالموقف
في المقابل، لا يظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أي تغيير في موقفه. ففي بيان حديث، وصف الحرب بأنها: “عادلة وأخلاقية، وضرورية من أجل بقاء إسرائيل.”
وأضاف: “لن تقبل أي دولة في العالم أن تحكم جماعة إرهابية أراضي مجاورة لها، خاصة بعد أن شنّت هجومًا إباديًا على شعبها.”
ونفى وجود مجاعة ممنهجة، ووزعت السلطات العسكرية صورًا قالت إنها تُظهر عناصر من حماس بحالة جيدة محاطين بالطعام، وادعت أن صورة الطفل الهيكلي المتداولة عالميًا تعود لحالة طبية وراثية تم إجلاؤها سابقًا من غزة.
نحو وقف إطلاق نار؟
رغم تعثر محادثات وقف إطلاق النار في الأسبوع الماضي، بدأت جهود جديدة هذا الأسبوع لإحياء المفاوضات، مدفوعة على ما يبدو بتزايد الضغط الدولي والانتقادات الداخلية، فيما تؤكد تقارير إعلامية أن تصاعد مشاهد المجاعة قد يسرّع من القبول الشعبي لإنهاء الحرب.
وإذا استمر تحول المزاج الشعبي داخل إسرائيل، فقد يضع ذلك الحكومة أمام معادلة سياسية صعبة: إما تعديل المسار، أو مواجهة أزمة أخلاقية ووطنية أعمق.
ويبدو أن الأسئلة التي كانت تُطرح سابقًا في المحافل الدولية بدأت تجد طريقها إلى الخطاب الإسرائيلي الداخلي: هل ما يحدث في غزة ما زال دفاعًا عن النفس… أم أصبح شيئًا آخر؟





