في ثلاث مناسبات متتالية منعت السلطات الإسرائيلية الصحفي الفلسطيني راضي كرامة من السفر إلى خارج الضفة الغربية وهو أمر يعزوه إلى سياسة ابتزاز ممنهجة لإجباره على التعاون الأمني معها.
ويعمل كرامة مقدم برامج في إذاعة محلية في مدينة الخليل، وتعرض للاعتقال في عدة مناسبات من الجيش الإسرائيلي علما أنه في مطلع الثلاثينات من عمره ومتزوج ولديه طفلان.
ويقول كرامة إنه فوجئ في كانون ثان/يناير عام 2020 بإبلاغه من السلطات الإسرائيلية بقرار منعه من السفر لدى محاولته التنقل مع أفراد عائلته عبر معبر “الكرامة”، الواصل بين الضفة الغربية والأردن وتسيطر عليه إسرائيل.
ويوضح أنه حاول السفر في مناسبتين إضافتين في فترات لاحقة لكنه تلقى نفس الرد بالمنع من دون تقديم تبريرات محددة بشأن ذلك.
غير أن كرامة تلقى في تشرين أول/أكتوبر الماضي عرضا من ضابط إسرائيلي لرفع حظر السفر عنه بشرط التعاون الأمني مع جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي “الشاباك” كما يقول.
ويوضح أن الضابط الإسرائيلي قابله لإبلاغه بحيثيات قرار منعه من السفر وإمكانية إلغائه في مقابل التعاون مع أجهزة الأمن الإسرائيلية والحصول على راتب مالي شهري لكنه رفض ذلك.
ويضيف أنه بعد رفض العرض المذكور تعرض في الخامس من تشرين أول/أكتوبر الماضي للاعتقال لعدة ساعات من قبل الجيش الإسرائيلي “حيث أبلغني ضابط كبير أني أعمل في منطقة حيوية مثل الخليل والتعاون مع جهاز الشاباك فقط سيؤدي إلى إلغاء منع السفر”.
ويعتبر كرامة، أن أجهزة الأمن الإسرائيلية “تحاول ابتزاز الصحفيين الفلسطينيين عبر التضييق عليهم ومنعهم من السفر من أجل ابتزازهم لاحقا للموافقة على التعاون الأمني معهم مقابل إزالة المنع”.
من جهته يشتكي الصحفي مصعب قفيشة وهو من الخليل كذلك، من منعه من السفر خارج الضفة الغربية منذ نحو تسعة أعوام.
ويقول قفيشة إنه تم منعه من السفر لأول مرة عام 2012 لدى محاولته التنقل لأداء العمرة في المملكة العربية السعودية بدعوى مشاركته في فعاليات مناهضة لإسرائيل.
ويضيف قفيشة أنه حاول السفر في عدة مناسبات لاحقا عبر معبر الكرامة وفي كل مرة كان يتم إبلاغه بالمنع، قبل أن يعرض عليه ضابط إسرائيلي التعاون مع أجهزة الأمن الإسرائيلية لتمكينه من السفر بحرية.
ولجأ قفيشة إلى تقديم التماس عبر منظمات حقوقية لإزالة قرار منعه من السفر غير أنه تم إبلاغه بأنه “يشكل خطورة على الأمن الإقليمي ويمارس التحريض ضد إسرائيل”.
أما الصحفي أحمد بيكاوي من جنين في شمال الضفة الغربية، فيشتكي من منع إسرائيل له من السفر منذ حو 20 عاما رغم توجهه للقضاء الإسرائيلي الذي اشترط عليه التوقيع على تعهد بالسفر لثلاثة أعوام في الخارج بذريعة المخاطر الأمنية.
وبحسب بيان مشترك صدر عن منظمة مراسلون بلا حدود والمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، منعت السلطات الإسرائيلية عشرات الصحفيين الفلسطينيين من مغادرة الضفة الغربية على مدار أعوام.
ومن بين الفاعلين الإعلاميين الذين طالهم هذا الحظر الصحفية مجدولين حسونة، الحائزة على جائزة الاستقلالية لعام 2021 التي تمنحها مراسلون بلا حدود ولم تتمكن من استلام جائزتها بسبب منع السفر.
كما لم تتمكن حسونة على مدار عامين من العودة إلى تركيا حيث كانت تقيم سابقا، قبل أن تجد نفسها عالقة داخل الأراضي الفلسطينية بفعل المنع الإسرائيلي.
وبحسب مراسلون بلا حدود، فإن العدد الإجمالي للصحفيين الفلسطينيين الذين طالهم إجراء منع السفر الإسرائيلي بات يفوق 20 صحفيًا.
وفي العديد من هذه الحالات، لا تقدم السلطات الإسرائيلية أية أسباب لتفسير قرارات الحظر. ففي اتصال أجرته معها مراسلون بلا حدود، بررت الإدارة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية منع حسونة من السفر بما وصفته “أسباب أمنية”، دون إعطاء مزيد من التفاصيل.
وصرحت صابرين النوي مسؤولة مكتب الشرق الأوسط في مراسلون بلا حدود في بيان بأن “إقدام السلطات الإسرائيلية على منع الصحفيين الفلسطينيين من الخروج هو انتهاك واضح لحريتهم في التنقل”.
وأضافت النوي أن “المخابرات الإسرائيلية ومعها السلطات القضائية تتذرع دائمًا بما تسميه /ملفات سرية/ حتى لا تضطر إلى توضيح الأسباب أو الدوافع من جهة، ولإبقاء تلك القيود قائمة إلى أجل غير مسمى في سياق يبلغ فيه التعسف أقصى تجلياته”.
ويقول المرصد الأورومتوسطي إن عمليات إصدار قرارات المنع من السفر والتنقل تجري وفقا لقرارات إدارية تصدرها السلطات الإسرائيلية، دون اتباع إجراءات قانونية أو قضائية.
وبحسب بيانات المرصد الحقوقي فإن الغالبية العظمى من الصحفيين الفلسطينيين علموا بقرار المنع الصادرة بحقهم بخمس طرق رئيسية: عند تقديم طلبات تصاريح بالسفر والتنقل، أو عند التوجه للمعابر، أو عند التوجه للإدارة المدنية، أو عند العودة من الخارج، أو خلال مقابلة جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك).
وتقول الناشطة في المرصد نور علوان إن “السلطات الإسرائيلية تمارس منذ عقود تضييقا كبيرا على حرية الصحافة والتعبير عن الرأي في الأراضي الفلسطينية تتمثل في الاستهداف المباشر والاعتقال والترهيب وإتلاف المعدات وغيرها”.
وتضيف علوان أنه “في الأعوام الأخيرة تصاعد شكل آخر من الانتهاكات ضد الصحفيين الفلسطينيين بشكل غير معلن، حيث بدأ عدد متزايد منهم يجدون أنفسهم ممنوعين من السفر أو التنقل دون مبرر أو تفسير، في سياسة على ما يبدو أنها تمارس بشكل عقابي بسبب عملهم”.
وتؤكد أن “إتباع السلطات الإسرائيلية هكذا سياسات تعسفية بحق الصحفيين الفلسطينيين لإسكاتهم يعد انتكاسة لحريات التعبير والعمل الصحفي في الأراضي الفلسطينية وتقويضا لحق الناس في معرفة الحقيقة.”
ويطال المنع من السفر العديد من الصحفيين الفلسطينيين منذ عدة سنوات. وفي هذا السياق، اضطر الصحفي نواف العامر من رام الله، للبقاء في الأراضي الفلسطينية منذ عام 1983 “لأسباب أمنية” بناء على اعتقال سابق.
وتعتبر هذه القيود مرهقة نفسيا بالنسبة للصحفيين، حيث تدفعهم إلى الاستقالة في بعض الأحيان، كما هو حال الصحفي سامي أبو سالم من قطاع غزة.
وبحسب مراسلون بلا حدود فإن أبو سالم رفضت السلطات الإسرائيلية طلباته المتكررة للسفر إلى الضفة الغربية من أجل حضور اجتماعات مجلس إدارة وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية (وفا) التي كان يعمل لديها، لكن كل محاولاته باءت بالفشل.
وسبق أن نددت نقابة الصحفيين الفلسطينيين مرارا بمنع السلطات الإسرائيلية الصحفيين من السفر إلى الخارج، معتبرة ذلك “إجراءات تعسفية تستهدف إسكات صوت الصحافي الفلسطيني وكلمته وصورته”.
وتوثق إحصائيات فلسطينية رسمية اعتقال إسرائيل أكثر من 20 صحفيا فلسطينيا من إجمالي أكثر من أربعة ألاف أسير تعتقلهم في سجونها منذ فترات مختلفة.





