أعلنت وزارة المالية في رام الله، اليوم الأربعاء، أن رواتب الموظفين العموميين عن شهر أيلول/سبتمبر سيتم صرفها غدًا الخميس بنسبة لا تقل عن 60%، وبحد أدناه 2000 شيكل، في خطوة تعكس مجددًا عمق الأزمة المالية الحادة التي تواجهها السلطة الفلسطينية منذ أشهر طويلة، والتي تفاقمت خلال العام الحالي بشكل غير مسبوق.
وقالت الوزارة في بيانها إن هذه النسبة جاءت “وفق الإمكانات المالية المتاحة”، مؤكدة استمرار الفجوة الكبيرة بين الإيرادات والمصاريف، في ظل تراجع الموارد وتجميد جزء واسع من أموال المقاصة من جانب الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما يشكل الرافد الرئيسي لخزينة السلطة بنسبة تزيد عن 60% من دخلها.
وتمر السلطة بأخطر أزمة مالية منذ نشأتها قبل ثلاثة عقود، مع اتساع العجز المالي وعجز الحكومة عن دفع رواتب كاملة لأشهر متتالية.
وتشير مصادر مالية إلى أن السلطة خسرت مئات ملايين الشواكل منذ بداية العام بسبب استمرار إسرائيل في اقتطاع مبالغ كبيرة من أموال الضرائب التي تجبيها نيابة عنها، بذريعة ما تسميه “مخصصات الأسرى والشهداء”.
كما تأثر الوضع المالي بانخفاض الدعم الدولي والعربي إلى أدنى مستوياته منذ سنوات، حيث تراجع التمويل الخارجي بمعدل يصل إلى 80% مقارنة بعام 2015، وفق بيانات رسمية، ما جعل السلطة تعتمد بشكل شبه كلي على المقاصة، التي تتحكم فيها إسرائيل بشكل كامل.
وقد أصبح صرف الرواتب بنسب تتراوح بين 50 و70% حالة شبه دائمة منذ نهاية عام 2023، الأمر الذي انعكس على الأوضاع المعيشية لعشرات آلاف الموظفين، وترك تبعات واضحة على السوق المحلية، التي تعاني بدورها من تراجع السيولة وانخفاض القدرة الشرائية.
ويقول خبراء اقتصاديون إن استمرار صرف الرواتب بنسب مجتزأة يؤدي إلى مزيد من الانكماش الاقتصادي، خصوصًا في ظل الارتفاع الكبير في الأسعار وتراجع حركة التجارة، ما يضع السلطة أمام مأزق مالي واقتصادي واجتماعي متشابك يصعب تجاوزه دون حلول سياسية أو تدخلات مالية كبيرة.
وبالتزامن مع الأزمة المالية، تواجه السلطة ضغوطًا سياسية متزايدة، أبرزها من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بالإصلاحات الإدارية والمالية والأمنية، إضافة إلى الأزمات الميدانية المتصاعدة في الضفة الغربية التي تستنزف موارد إضافية.
وتختم وزارة المالية بيانها بالتأكيد على أنها “تبذل كل جهد ممكن لتجاوز الأزمة”، لكن الموظفين والمراقبين يرون أن غياب أي أفق اقتصادي أو سياسي واضح يجعل الأشهر المقبلة أكثر صعوبة، ما لم يتم ضخ دعم مالي خارجي أو التوصل إلى اتفاق يسمح بإطلاق أموال المقاصة كاملة دون اقتطاعات.




