وسط تدهور إنساني متسارع في قطاع غزة، حذرت 25 دولة، من بينها بريطانيا وفرنسا وكندا واليابان، من أن معاناة المدنيين الفلسطينيين “بلغت أعماقًا غير مسبوقة”، منتقدةً سياسة إسرائيل في تقييد دخول المساعدات إلى القطاع، واصفة إياها بأنها “تحرم سكان غزة من كرامتهم الإنسانية”.
هذا التصعيد الدبلوماسي جاء في بيان مشترك في واحدة من أشد المواقف الدولية لهجةً منذ اندلاع الحرب قبل 21 شهرًا. وأكد البيان أن سياسة “تقديم المساعدات بالتنقيط” من قبل السلطات الإسرائيلية لا تكفي لمنع الجوع، بل تُفاقم من عدم الاستقرار وتؤجج التوترات في المنطقة.
والتصعيد السياسي يأتي في أعقاب حادثة مأساوية شهدتها غزة يوم الأحد، حين أطلقت القوات الإسرائيلية النار على مدنيين كانوا يرفعون أيديهم قرب قافلة مساعدات إنسانية تابعة لبرنامج الغذاء العالمي. وأسفر الحادث عن مقتل 93 شخصًا على الأقل، في ما وصفته مصادر إنسانية بأنه “أكثر مجازر المساعدات دموية منذ بداية الحرب”.
يقول مصعب أبو عمر، أحد الناجين من الحادثة: “اندلعت النيران من كل حدب وصوب… كان الناس يركضون بلا اتجاه. رأيت أطفالًا يُصابون أمامي.”
وأفادت تقارير إضافية بمقتل خمسة أشخاص آخرين يوم الاثنين، أثناء انتظارهم للمساعدات، في وقتٍ وسّعت فيه القوات الإسرائيلية هجومها على مدينة دير البلح، التي كانت حتى وقت قريب بمنأى عن العمليات البرية الكبرى.
جهود إغاثية متعثرة وإنزالات جوية مطروحة
في ظل تعقّد إدخال المساعدات عبر البر، كشفت مصادر أن الولايات المتحدة وعددًا من حلفائها، من بينهم الأردن وقطر ومصر، يدرسون تنفيذ عمليات إنزال جوي مباشر للمساعدات داخل غزة، كما حدث خلال الأعوام السابقة، في محاولة لكسر القيود المفروضة على المعابر.
بدأت مشاورات أولية في القاهرة والدوحة يوم الأحد، شارك فيها ممثلون عن الدول الخمس، إضافة إلى وفد إسرائيلي غير معلن. وتهدف المحادثات إلى التوصل لآلية إنسانية تتيح إدخال مساعدات واسعة النطاق دون تعريض المدنيين للخطر.
أكبر سفينة مساعدات إماراتية تغادر نحو غزة
في بادرة إنسانية لافتة، غادرت يوم الاثنين من ميناء خليفة في أبوظبي أكبر سفينة مساعدات ترسلها الإمارات حتى الآن إلى غزة، محمّلة بأكثر من 7000 طن من المواد الغذائية والطبية، إضافة إلى مستشفى ميداني متكامل يسع 400 مريض و16 سيارة إسعاف.
وقال منسق بعثة المساعدات، حمود العفاري، إن السفينة “ستمثل شريان حياة حيويًّا لسكان القطاع الذين يعانون من نقص حاد في الرعاية الصحية والمياه الصالحة للشرب”.
الفاتيكان والخليج يدخلان على الخط
في تطور لافت، تحدث البابا ليون الرابع عشر لأول مرة منذ تنصيبه مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، معبرًا عن “الحاجة الملحّة لتقديم الإغاثة العاجلة”، وذلك بعد أيام من قصف إسرائيلي طال الكنيسة الكاثوليكية الوحيدة في غزة وأسفر عن مقتل ثلاثة مدنيين.
وفي الخليج، دعا الأمين العام لمجلس التعاون، جاسم البديوي، المجتمع الدولي إلى “التحرك الفوري لإنهاء الحصار الوحشي”، معتبرًا أن ما يحدث “ينتهك القانون الدولي والإنساني، ويهدد استقرار المنطقة برمتها”.
السيطرة على غزة تتصدر النقاشات العسكرية
وفي الوقت الذي تتعثر فيه محادثات وقف إطلاق النار التي ترعاها واشنطن والدوحة والقاهرة، أفادت القناة 12 الإسرائيلية بأن الجيش الإسرائيلي اقترح توسيع سيطرته على مزيد من أراضي غزة، لتصل إلى 75% من مساحة القطاع، بهدف “مضاعفة الضغط على حماس”.
ورغم أن إسرائيل لم تؤكد رسميًا هذه الخطة، إلا أن مصادر أمنية وصفتها بأنها “خطوة استراتيجية تهدف إلى السيطرة الميدانية وربما السياسية لاحقًا”.
وبين التصعيد الميداني والتصريحات الدبلوماسية، يعيش سكان غزة كارثة إنسانية متفاقمة. وبينما تتزايد الضغوط على إسرائيل لإعادة النظر في سياسات الحصار والمساعدات، لا يبدو أن المسار السياسي يسير نحو حلّ قريب، ما يترك 2.2 مليون فلسطيني عالقين في دائرة القصف، والجوع، والانتظار.





