أثار إعلان الحكومة الإسرائيلية رفضها الامتثال لحكم صادر عن المحكمة العليا موجة واسعة من التحذيرات داخل إسرائيل من اندلاع أزمة دستورية غير مسبوقة، وتقويض سيادة القانون وتهيئة الطريق أمام الحكومة لرفض نتائج الانتخابات المقبلة إذا جاءت في غير صالح الائتلاف الحاكم برئاسة بنيامين نتنياهو.
وحذر سياسيون معارضون ومسؤولون قانونيون كبار والرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ من التداعيات الخطيرة لقرار الحكومة تجاهل حكم المحكمة العليا الذي يحد من محاولاتها للسيطرة على هيئة تنظيمية إعلامية، في خطوة لم يسبق أن أعلنت أي حكومة إسرائيلية اتخاذها بصورة صريحة.
وتعود الأزمة إلى اشتراط القانون الإسرائيلي وجود حد أدنى من الأعضاء في المجلس التنظيمي حتى يتمكن من اتخاذ القرارات والموافقة على التعيينات. وتقول الحكومة إن المجلس لا يستوفي هذا الشرط، وبالتالي لا يملك صلاحية ممارسة مهامه، إلا أن المحكمة العليا أمرت في 17 يونيو/حزيران المجلس بمواصلة عمله رغم ذلك.
وصوتت الحكومة الإسرائيلية بالإجماع، الأحد، على رفض حكم المحكمة، فيما أعلن وزير الاتصالات شلومو كارهي ووزير العدل ياريف ليفين أن الحكومة ستتخذ جميع الإجراءات القانونية المتاحة لإلغاء القرار.
وقالت الحكومة إن المحكمة لا تملك سلطة إصدار أحكام تتعارض، من وجهة نظرها، مع القانون، مؤكدة أنه “لن يتم الاعتراف بأي حكم يتعارض مع القانون، وستكون القرارات الصادرة بموجبه لاغية وباطلة”.
ويمثل الإعلان تصعيدًا غير مسبوق في المواجهة المستمرة بين حكومة نتنياهو والسلطة القضائية، إذ لم يسبق لحكومة إسرائيلية أن أعلنت بصورة مباشرة أنها ستتجاهل حكمًا صادرًا عن المحكمة العليا.
وتشهد إسرائيل منذ عودة نتنياهو إلى السلطة في ديسمبر/كانون الأول 2022 صراعًا متصاعدًا بشأن خطة حكومته لإعادة هيكلة النظام القضائي وتقليص صلاحيات المحكمة العليا والمستشارين القانونيين.
وأثارت الخطة احتجاجات وانقسامات داخلية واسعة، فيما اعتبر معارضوها أنها تستهدف إضعاف استقلال القضاء وإزالة القيود المفروضة على السلطة التنفيذية.
ووصف وزير الاتصالات شلومو كارهي قرار تحدي حكم المحكمة بأنه “خطوة تاريخية”، معتبرًا أنه يهدف إلى إعادة السلطة إلى الشعب.
في المقابل، حذرت المدعية العامة غالي بهاراف ميارا من أن القرار الحكومي “يقوض المبادئ الأساسية لسيادة القانون”.
وتدخل الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ بصورة نادرة في الأزمة، محذرًا من أن مخالفة الحكومة لأحكام المحكمة العليا تمثل “خطًا أحمر” من شأنه أن يضرب في صميم وحدة المجتمع الإسرائيلي.
وتصاعدت التحذيرات بصورة أكبر مع اقتراب الانتخابات العامة الإسرائيلية المقرر إجراؤها بحلول أكتوبر/تشرين الأول المقبل، وسط مخاوف من أن يكون تحدي المحكمة خطوة تمهيدية لتطبيع عدم الامتثال للأحكام القضائية واستخدام النهج نفسه لاحقًا للطعن في نتائج الانتخابات.
وقال يائير غولان، زعيم حزب الديمقراطيين المعارض، إن حكومة نتنياهو تدرك أنها لا تملك فرصة للفوز في الانتخابات، ولذلك تشن حربًا على سيادة القانون.
وأضاف أن الحكومة تسعى إلى ممارسة وتطبيع عدم الامتثال لأوامر المحكمة، حتى تتمكن مستقبلًا من رفض قبول نتائج الانتخابات وعدم التخلي عن السلطة إذا تعرضت للهزيمة في صناديق الاقتراع.
وانعكست المخاوف نفسها في وسائل الإعلام الإسرائيلية، التي حذرت من أن المواجهة الحالية تتجاوز الخلاف بشأن صلاحيات هيئة تنظيمية لتصل إلى مستقبل النظام السياسي ومبدأ الفصل بين السلطات.
وقالت صحيفة “هآرتس” في افتتاحية إن حكومة نتنياهو أعلنت عمليًا “انتهاء سيادة القانون في إسرائيل”، معتبرة أن رئيس الوزراء وحلفاءه يسعون إلى منح أنفسهم سلطة تحديد ما هو قانوني وما هو غير قانوني.
وأشارت الصحيفة إلى وجود مصلحة سياسية مباشرة وراء التصعيد، في ظل اقتراب الانتخابات وتراجع الائتلاف الحاكم في استطلاعات الرأي، معتبرة أن نتنياهو وحلفاءه يسعون إلى إعادة توزيع السلطة بصورة تضمن استمرارهم في الحكم.
كما حذرت مجموعة من السفراء الإسرائيليين السابقين من أن استمرار ابتعاد إسرائيل عن الدول الديمقراطية ستكون له تداعيات مباشرة على الاقتصاد وعلى المواطنين الإسرائيليين.
وأكد السفراء أن قرار الحكومة يفرغ من مضمون الادعاءات الإسرائيلية أمام المؤسسات القانونية الدولية بشأن استقلال النظام القضائي الإسرائيلي.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة في ظل اعتماد إسرائيل على مبدأ استقلال القضاء في مواجهة القضايا والتحقيقات الدولية المتعلقة بانتهاكاتها وجرائمها، إذ تستخدم وجود نظام قضائي محلي مستقل بوصفه إحدى الحجج الرئيسية للتصدي لتدخل المحاكم والهيئات القضائية الدولية.
ويواجه نتنياهو منذ سنوات محاكمات وتحقيقات تتعلق بتهم فساد ومخالفات، فيما يصر على تصوير القضايا المرفوعة ضده باعتبارها حملة سياسية تقودها النخب القانونية لإبعاده عن السلطة.
ويضع قرار الحكومة تجاهل حكم المحكمة العليا إسرائيل أمام مواجهة مفتوحة بين السلطتين التنفيذية والقضائية، وسط تحذيرات من أن الأزمة لم تعد تقتصر على خطة تغيير النظام القضائي، بل باتت تهدد أسس انتقال السلطة وشرعية الانتخابات المقبلة.
ويخشى معارضو نتنياهو من أن يؤدي نجاح الحكومة في فرض سابقة عدم الامتثال لأحكام المحكمة إلى إزالة أحد آخر القيود المؤسسية على السلطة التنفيذية، وفتح الباب أمام أزمة دستورية عميقة قد تبلغ ذروتها إذا رفض الائتلاف الحاكم الاعتراف بنتائج الانتخابات أو التخلي عن السلطة في حال خسارته صناديق الاقتراع





