يتسع نطاق المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل في أنحاء مختلفة من العالم مع اقتراب حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة من دخول عامها الثالث وما خلّفته من عشرات الآلاف من الضحايا والمفقودين.
وأعلنت جامعات ومؤسسات بحثية بارزة في أوروبا وأميركا الجنوبية قطع علاقاتها مع نظيراتها الإسرائيلية، في خطوة يراها مراقبون انعكاسًا لتنامي الوعي الدولي بدور الأوساط الأكاديمية الإسرائيلية في دعم منظومة الاحتلال والقمع.
وفي المقابل، لا تزال جامعات المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا تقاوم الضغوط المتزايدة من طلابها وأساتذتها للمضي في المسار ذاته.
وخلال العام الماضي، ألغت الجامعة الفيدرالية البرازيلية في سيارا قمة الابتكار التي كانت مقررة مع جامعة إسرائيلية، فيما أعلنت جامعات في النرويج وبلجيكا وإسبانيا وقف التعاون الأكاديمي مع مؤسسات إسرائيلية.
وفي 2025، اتخذت مؤسسات أخرى قرارات مشابهة؛ إذ أعلنت جامعة أمستردام في مارس وقف برنامج التبادل الطلابي مع الجامعة العبرية في القدس، فيما أكدت الجمعية الأوروبية لعلماء الأنثروبولوجيا الاجتماعية أنها لن تدخل في أي تعاون مع الجامعات الإسرائيلية.
كما انضمت كلية ترينيتي في دبلن إلى هذا التوجه، لتؤكد أن موجة المقاطعة آخذة في الاتساع.
مقاومة في بريطانيا وفرنسا وألمانيا
في المقابل، لا تزال الجامعات في المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا مترددة. فقد أصدرت جامعات بريطانية بارزة بيانًا يعارض المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل، معتبرة أنها تمثل “انتهاكًا للحرية الأكاديمية”.
كما أعربت الجمعية الملكية البريطانية عن رفضها للفكرة، مؤكدة أن المقاطعة “تعاقب أشخاصًا ليسوا مسؤولين عن سياسات الحكومة الإسرائيلية، بل يتعاطفون أحيانًا مع الفلسطينيين”.
لكن هذا الموقف يواجه انتقادات متزايدة. فالمؤرخ الإسرائيلي البارز إيلان بابيه اعتبر أن الغالبية العظمى من الأكاديميين الإسرائيليين “متواطئون بشكل مباشر أو غير مباشر”، مشيرًا إلى أنهم يقدمون برامج تدريبية للأجهزة الأمنية والجيش، وهي مؤسسات تمارس القمع ضد الفلسطينيين يوميًا.
قمع التضامن داخل الجامعات البريطانية
بالتوازي مع هذا الموقف، كشفت تقارير صحفية بريطانية في فبراير أن 28 جامعة على الأقل فتحت تحقيقات تأديبية ضد طلاب وأكاديميين بسبب نشاطهم المتعلق بفلسطين.
واعتبر ناشطون أن إدارات الجامعات تمارس ضغوطًا واسعة لقمع أي مظاهر للتضامن مع غزة، ما دفع كثيرًا من الأكاديميين لاتخاذ قرارات فردية بعدم الدخول في مشاريع مشتركة مع نظرائهم الإسرائيليين.
وقال الجراح البريطاني الفلسطيني غسان أبو ستة، رئيس جامعة غلاسكو، إن “الإدارات الجامعية أغلقت الباب أمام المبادرات الطلابية، ما اضطر الأكاديميين إلى مقاطعة فردية بدلًا من قرار مؤسسي جماعي”.
واللافت أن دعوات المقاطعة لم تقتصر على الخارج. ففي مايو الماضي، وجّه مئات الأكاديميين الإسرائيليين رسالة مفتوحة إلى رؤساء الجامعات في بلادهم طالبوا فيها بوقف الحرب فورًا.
وقالت الرسالة، التي وقعتها مجموعة تطلق على نفسها اسم “مجموعة عمل العلم الأسود”، إن “هذه قائمة مرعبة من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، كلها من صنع أيدينا. لا يمكننا الادعاء بأننا لم نكن نعلم، لقد صمتنا طويلًا.”
وقد عكست هذه الرسالة شعورًا متناميًا بين بعض النخب الأكاديمية الإسرائيلية بأن مؤسساتهم أصبحت شريكًا في آلة الحرب، وأن استمرار الصمت يفاقم من مسؤوليتهم الأخلاقية.
ويوجه توسّع المقاطعة الأكاديمية رسالة مزدوجة: الأولى إلى الجامعات الإسرائيلية نفسها بأن ارتباطها بمؤسسات الدولة القمعية لن يمر دون محاسبة، والثانية إلى الرأي العام الدولي بأن المؤسسات الأكاديمية ليست بمنأى عن السياسات الحكومية.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمثل امتدادًا لحركة المقاطعة العالمية (BDS) التي تضغط منذ سنوات لوقف التعاون الأكاديمي والثقافي مع إسرائيل.





