كشف تقرير صادم نشرته لجنة حماية الصحفيين (CPJ) عن تعرّض صحفيين فلسطينيين محتجزين لدى إسرائيل لأساليب تعذيب ممنهجة شملت الضرب، والصعق بالكهرباء، والعنف الجنسي، والتجويع المتعمد، في ما وصفته المنظمة بأنه «استراتيجية متعمّدة» لإسكات الصحافة الفلسطينية وترهيبها.
ويستند التقرير، المعنون «لقد عدنا من الجحيم»، إلى مقابلات مع 59 صحفيًا فلسطينيًا اعتُقلوا منذ أكتوبر 2023.
وأفاد التقرير بأن جميع من جرت مقابلتهم تقريبًا—باستثناء حالة واحدة—تعرضوا لشكل من أشكال التعذيب أو الإساءة أو العنف، سواء الجسدي أو النفسي.
وتضمنت الشهادات روايات متطابقة عن الضرب بالهراوات، والإجبار على أوضاع مؤلمة لفترات طويلة، والصعق بالكهرباء، والوقوف تحت مياه الصرف الصحي داخل الزنازين.
وقالت صحفيتان إنهما تعرضتا للاغتصاب على يد محتجزيهما، في روايات وصفتها المنظمة بأنها «متكررة ومتسقة» وتشير إلى نمط لا إلى حوادث فردية.
وروى الصحفي سامي الساعي تفاصيل اعتدائه داخل زنزانة ضيقة في سجن مجدو، حيث جُرّد من ملابسه وتعرض للضرب بأدوات مختلفة، ما تركه—بحسب وصفه—في «حالة نفسية شديدة».
وأضاف التقرير أن أوصاف العنف الجنسي وردت مرارًا بوصفها وسيلة للإذلال والترويع وإحداث أذى دائم، في انتهاك صارخ للقانون الدولي.
كما وثّقت الشهادات تهديدات مباشرة باستهداف عائلات الصحفيين، وحرمانًا من النوم عبر تشغيل موسيقى صاخبة لساعات طويلة، ومنعًا للرعاية الطبية العاجلة بما في ذلك علاج الكسور وإصابات العين.
وقال الصحفي أمين بركة إن محققين هدّدوا عائلته بسبب عمله الإعلامي، مستشهدين باستشهاد أفراد من عائلة مراسل قناة الجزيرة وائل الدحدوح كرسالة ترهيب واضحة.
وكان الدحدوح قد فقد زوجته وابنه وابنته وحفيده في غارة جوية إسرائيلية، ثم أُصيب لاحقًا في هجوم آخر استشهد فيه زميله سامر أبو دقة.
وأوضحت لجنة حماية الصحفيين أن نحو 80% من الصحفيين الذين شملهم التقرير كانوا محتجزين إداريًا دون توجيه تهم رسمية، وأن واحدًا من كل أربعة لم يلتقِ بمحامٍ قط.
وأبلغ معظمهم عن جوع شديد ومتعمد. وراجعت اللجنة صورًا تظهر «وجوهًا شاحبة، وأضلاعًا بارزة، وخدودًا غائرة»، مؤكدة أن المحتجزين فقدوا في المتوسط 23.5 كيلوغرامًا من وزنهم، وأن بعضهم اضطر لتناول «خبز متعفن وطعام فاسد» للبقاء على قيد الحياة.
وقالت جودي جينسبيرغ، الرئيسة التنفيذية للجنة حماية الصحفيين، إن «حجم الشهادات واتساقها يشيران إلى ما يتجاوز بكثير سوء السلوك المعزول»، مضيفة أن «عندما يصف عشرات الصحفيين بشكل مستقل الإيذاء الجسدي والنفسي ذاته، فإن على المجتمع الدولي التحرك».
واعتبرت سارة قداح، المديرة الإقليمية للجنة، أن ما جرى «ليس حوادث متفرقة، بل سياسة تهدف إلى إسكات الصحفيين وتدمير قدرتهم على الشهادة».
ويأتي التقرير في سياق أوسع من الخسائر الفادحة في صفوف الإعلام الفلسطيني، إذ استشهد ما يقرب من 300 صحفي وعامل إعلامي فلسطيني في الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، ما جعلها—وفق توصيف منظمات دولية—أخطر مكان في العالم لممارسة الصحافة.
ومع تزايد الأدلة الموثقة، تتصاعد الدعوات لمحاسبة المسؤولين وفتح تحقيقات دولية مستقلة، بينما يصرّ الناجون على أن ما عاشوه «عودة من الجحيم» لا يجب أن تمرّ بلا مساءلة.





