سلّط تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز” الضوء على جزيرة خرج الإيرانية باعتبارها أحد أخطر الأهداف النفطية في الشرق الأوسط، إذ تمثل الشريان الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية، ومع ذلك لم تتعرض لأي ضربة حتى الآن في الحرب الدائرة.
وتقع الجزيرة المرجانية الصغيرة على بعد نحو 25 كيلومتراً من الساحل الإيراني في شمال الخليج، ولا يتجاوز طولها بضعة كيلومترات. لكن أهميتها الاقتصادية تفوق حجمها بكثير.
فمنذ ستينيات القرن الماضي، عندما طورتها شركة النفط الأمريكية أموكو، أصبحت الجزيرة المركز الأساسي لتصدير النفط الخام الإيراني إلى الأسواق العالمية.
وتبلغ قدرة مرافقها على تحميل النفط نحو 7 ملايين برميل يومياً، ما يجعلها واحدة من أهم محطات تصدير النفط في العالم.
ويقول ريتشارد نيفيو، المسؤول الأمريكي السابق المتخصص في ملف العقوبات على إيران، إن أهمية الجزيرة للاقتصاد الإيراني لا يمكن المبالغة فيها، مضيفا أن “الاقتصاد الإيراني ينهار من دونها”.
فبحسب التقديرات، يتم تحميل نحو تسعة من كل عشرة براميل نفط تصدرها إيران عبر مرافق جزيرة خرج.
ويعود ذلك إلى طبيعة السواحل الإيرانية الضحلة التي لا تسمح لمعظم الموانئ باستقبال ناقلات النفط العملاقة.
وتمثل الجزيرة أيضاً نقطة ضعف واضحة للبنية التحتية النفطية الإيرانية. فمنشآتها مكشوفة نسبياً وتشمل عشرات خزانات التخزين الضخمة المتجمعة في الجزء الجنوبي من الجزيرة.
كما تمتد أرصفة طويلة داخل المياه العميقة تسمح بتحميل ناقلات النفط العملاقة من الجانبين.
وتتصل الجزيرة بحقول النفط الرئيسية في إيران عبر شبكة من خطوط الأنابيب البحرية. وتضم أيضاً مساكن للعمال ومدرجاً صغيراً للطائرات يربطها بالبر الإيراني.
وقد تعرضت هذه المنشآت لقصف مكثف خلال الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي.
ورغم أهميتها الاستراتيجية، لم تتعرض جزيرة خرج لأي ضربة حتى الآن في الحملة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران.
وفي الوقت نفسه، تشير بيانات تتبع ناقلات النفط إلى أن المنشأة لا تزال تعمل بشكل شبه طبيعي. فقد قامت عدة ناقلات نفط عملاقة بتحميل النفط من الجزيرة خلال الأسبوع الماضي.
كما تمكنت ناقلة واحدة على الأقل من عبور مضيق هرمز رغم التوترات العسكرية التي تعرقل حركة السفن في المنطقة.
ويرى خبراء الطاقة أن استهداف الجزيرة قد يشكل ضربة اقتصادية قاسية لإيران. لكن في المقابل، قد يؤدي ذلك إلى تصعيد خطير في الحرب.
فقد ترد إيران باستهداف منشآت الطاقة في دول الخليج، ما قد يطلق أزمة طاقة عالمية جديدة. كما أن تدمير البنية النفطية الإيرانية قد يضعف أي حكومة إيرانية مستقبلية في حال تغير النظام.
وفي إسرائيل، يدعو بعض السياسيين إلى ضرب البنية التحتية النفطية الإيرانية. فقد دعا زعيم المعارضة يائير لابيد إلى تدمير الصناعة النفطية الإيرانية في جزيرة خرج.
ويرى أن مثل هذه الخطوة قد تشل الاقتصاد الإيراني وتسرع سقوط النظام.
لكن محللين أمريكيين يرون أن هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة. وقال الباحث مايكل دوران إن الولايات المتحدة رسمت منذ سنوات خطاً أحمر غير معلن حول استهداف جزيرة خرج.
وأضاف أن واشنطن وإسرائيل تجنبتا ضرب الجزيرة حتى خلال المواجهات العسكرية السابقة بين إيران وإسرائيل.
ويرجع ذلك إلى أن ضرب هذا الهدف قد يؤدي إلى ردود فعل خطيرة في أسواق الطاقة العالمية.
ويشير بعض المسؤولين في إدارة ترامب إلى أن الحرب الحالية قد تحمل أهدافاً استراتيجية أوسع.
فقد قال جارود إيجن، المدير التنفيذي لمجلس الهيمنة على الطاقة في البيت الأبيض، إن الهدف النهائي يتمثل في إخراج النفط الإيراني من سيطرة ما وصفه بـ”الإرهابيين”.
وأضاف أن الولايات المتحدة تسعى إلى تغيير معادلة الطاقة في المنطقة على المدى الطويل.
وحتى الآن، تبقى جزيرة خرج خارج بنك الأهداف العسكرية، لكن استمرار الحرب قد يغير هذه المعادلة.
فاستهداف الجزيرة قد يشل الاقتصاد الإيراني بسرعة، لكنه في الوقت نفسه قد يطلق شرارة أزمة طاقة عالمية ويحوّل الحرب الإقليمية إلى صراع اقتصادي عالمي.
ولهذا السبب، يرى خبراء أن الطريقة التي ستتعامل بها إدارة ترامب مع هذه المنشأة النفطية الحساسة قد تكشف الكثير عن استراتيجيتها الطويلة في التعامل مع إيران.





