لأجيال طويلة، كان البحر الأبيض المتوسط متنفسًا لأهالي غزة، ومصدرًا حيويًا للرزق والغذاء والهروب المؤقت من واقع الحصار والاحتلال. غير أن هذا المتنفس الأخير أُغلق مؤخرًا بقرار عسكري إسرائيلي، أوقف السباحة والصيد على طول سواحل القطاع، ليقطع أحد آخر خيوط الحياة لسكان غزة بعد 21 شهرًا من الحرب المستمرة.
وأصدر الجيش الإسرائيلي أوامر تمنع الفلسطينيين من دخول البحر، سواء للصيد أو السباحة أو الغوص، محذرًا من أن أي محاولة لكسر هذه القيود ستُواجَه بإجراءات صارمة. وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، عبر منصة X: “ندعو الصيادين والسباحين والغواصين للامتناع عن دخول البحر. دخول البحر على طول الشريط الساحلي يعرضكم للخطر”.
لكن بالنسبة لمنذر عياش، الصياد الغزي الذي يعيل عائلة مكوّنة من 45 شخصًا، فإن هذا القرار يعني حكمًا قاسيًا بالمجاعة. يقول عياش لـ “ذا ناشيونال”: “نعيش على البحر. إن لم يكن هناك صيد، فلن نأكل. البحر كان طريقنا الوحيد للبقاء على قيد الحياة”.
عياش، الذي احترف الصيد منذ صغره، اعتاد مواجهة أخطار الزوارق الحربية والقنابل البحرية ونيران القناصة للوصول إلى المياه التي لم يكن يُسمح له بتجاوز 700 متر فيها عن الشاطئ. لكن حتى هذا الهامش الضيق أُغلق الآن أمامه وأمام آلاف الصيادين.
ويقول زكريا بكر، رئيس نقابة الصيادين الفلسطينيين في غزة، إن هذا القرار لا يقتصر على كونه تدبيرًا أمنيًا، بل يمثل في رأيه “أداة حرب متعمدة”. ويوضح بكر أن البحر ظل محاصرًا حتى قبل الإغلاق الأخير، إذ لم يكن يُسمح للصيادين سوى بالصيد في مسافة ضيقة للغاية، وأي تجاوز لها كان يُواجَه بإطلاق النار. وأضاف: “قُتل أو جُرح كثيرون خلال محاولات الوصول إلى أبعد من ذلك”.
ومنذ بدء الحرب في أكتوبر 2023، فقد قطاع الصيد في غزة أكثر من 210 من العاملين فيه، بينهم 60 صيادًا، وفق بكر، بينما دُمّرت نحو 95% من قوارب ومعدات الصيد بفعل الهجمات الجوية والبحرية الإسرائيلية.
ويشير بكر إلى أن الإنتاج السنوي من الأسماك، الذي كان يبلغ نحو 3500 طن، أصبح اليوم “صفرًا”، مشددًا على أن الأمر لا يتعلق فقط بقطاع الصيد، بل بالأمن الغذائي لنحو مليوني فلسطيني يعتمدون على البحر كمصدر للبروتين والغذاء. ويصف الحظر بأنه “حرب اقتصادية ونفسية وتجويع ممنهج”.
أما إبراهيم دولة (26 عامًا)، وهو شاب نازح من حي الزيتون في غزة ويعيش في خيمة قرب الشاطئ، فيقول إن البحر كان بالنسبة له أكثر من مجرد مصدر رزق. يضيف: “كان البحر مكانًا للاستحمام والراحة والهروب من أهوال الحرب. الآن حتى هذا اختفى”.
ويتابع: “نموت هنا مليون مرة كل ساعة. البحر كان المكان الوحيد الذي نشعر فيه بأننا بشر من جديد”.
ورغم التهديدات الإسرائيلية، يقول عياش: “البحر لنا، والأرض لنا. مهما حاولوا، سيبقى لنا”.





