حذّرت الباحثة الفلسطينية نادرة شلهوب-كيفوركيان في محاضرة قُدمت بمحكمة غزة في سراييفو بالبوسنة والهرسك، من أن ما يجري في قطاع غزة منذ أكثر من عشرين شهرًا يتجاوز حدود الحرب التقليدية إلى ما تصفه بـ”اقتصاد الإبادة الجماعية”. وترى أن التهجير والقتل على أيدي الاحتلال الإسرائيلي يشكّلان جزءًا لا يتجزأ من أيديولوجية استعمارية استيطانية ترفض الاعتراف بالإنسانية الفلسطينية وتُحوّل الجسد الفلسطيني إلى مساحة دائمة للعنف.
شهادات تختصر المأساة
استندت الكاتبة إلى أصوات فلسطينية حيّة لتجسيد طبيعة الإبادة المستمرة منذ النكبة عام 1948. من أبرز هذه الشهادات قصة الأم الغزية فاطمة، التي خرجت في أكتوبر/تشرين الأول 2023 لإحضار الطعام لأطفالها، لكنها عادت لتجدهم أشلاء. تروي فاطمة: “مات أطفالي جائعين… عدت لأجدهم بقايا متناثرة في كل مكان”.
وتشير الكاتبة كذلك إلى مأساة حديثي الولادة الذين تُركوا ليموتوا في حاضناتهم في مستشفى ناصر بخان يونس في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، حين انقطعت الكهرباء ونفد الوقود. وذكرت شبكة CNN حينها أن “أجساد الأطفال الصغار، لا يزال العديد منهم موصولًا بأنابيب وأسلاك، تتحلل في أسرّتهم، فيما زجاجات الحليب والحفاضات بجانبهم على الشراشف”. هذه المشاهد، برأي شلهوب-كيفوركيان، ليست حوادث عرضية بل جزء من منطق استعماري يسعى إلى نزع الإنسانية عن الفلسطينيين وتحويلهم إلى “لا وجود”.
الأشلاء كمنطق استعماري
تؤكد الكاتبة أن تحويل الأجساد الفلسطينية – خصوصًا أجساد الأطفال – إلى أشلاء متحللة وممزقة، يُسهم في ترسيخ حدود وجودية بين “الإنسان” و”اللا إنسان”. فالفلسطيني، وفق هذا المنطق، دائمًا قابل للقتل، ولا يتمتع بالحق في الحياة. وترى أن هذا السلوك يعكس منظورًا استعماريًا كما وصفه فرانز فانون، حيث يصبح الجسد/الأرض المستعمَرة مجالًا للعنف، وتُختزل حياة المستعمَر في دائرة العدم.
الاحتفال بالموت
من بين الأمثلة التي أوردتها الباحثة حادثة أثارت صدمة واسعة في مايو/أيار 2025، حين صوّر جنود إسرائيليون أنفسهم وهم يفجرون مبنى في غزة، واعتبروا سحابة الدخان الأزرق الناتجة عن الانفجار بمثابة “كشف جنس مولود”، واحتفلوا بهتاف “إنه ولد!”. ترى شلهوب-كيفوركيان أن هذا المشهد يكشف التقاء العنف بالمتعة في المخيلة الاستعمارية، حيث يتحوّل القتل إلى طقس احتفالي، وتُحوَّل معاناة الفلسطينيين إلى مناسبة للسخرية والفرح.
وتصف الكاتبة هذا السلوك بأنه نكروسياسة – أي سياسة موت – تجعل الفلسطينيين في حالة دائمة من “اللا حياة” و”اللا وجود”، وتجعل أجسادهم مسرحًا متواصلًا للعنف المفرط.
الاغتيالات والتجويع الممنهج
تشير شلهوب-كيفوركيان إلى أن الاغتيالات العشوائية للأطباء والصحفيين والمعلمين، والتجويع المتعمد للأطفال وعائلاتهم، كلها دلائل على “الجوع الإسرائيلي إلى موت الفلسطيني”. وتوضح أن هذه الممارسات ليست قرارات عسكرية آنية، بل استراتيجية ممنهجة مرتبطة بمشروع استيطاني يسعى إلى محو الفلسطينيين وجوديًا.
وترى أن ترك الأطفال يموتون في المستشفيات أو تحت أنقاض منازلهم ليس مجرد انتهاك للقانون الدولي الإنساني، بل ممارسة تعكس أيديولوجيا تحتفي بالموت الفلسطيني وتحوّله إلى أداة سياسية لإثبات السيطرة والهيمنة.
اقتصاد الإبادة الجماعية
تستخدم الكاتبة مفهوم “اقتصاد الإبادة” لوصف المنظومة التي تحكم سلوك الاحتلال. هذا الاقتصاد – كما تقول – يقوم على تشابك بين العنف والجيوسياسية العنصرية، حيث يُمارس القتل كأداة لتثبيت سيادة الدولة الاستعمارية وتعزيز مشروعها التوسعي. الفلسطيني في هذا السياق يُعامل ككائن فائض عن الحاجة، لا قيمة لحياته، بل تُستهلك معاناته وأشلاؤه في الأداء السياسي والعسكري لدولة الاحتلال.
وتؤكد شلهوب-كيفوركيان أن هذا “الاقتصاد” ليس محليًا فحسب، بل يمتد عالميًا عبر تواطؤ أنظمة دولية تبرر جرائم الإبادة تحت شعارات مثل “أمن الدولة”. وهنا، ترفض الكاتبة اختزال القضية في قوانين أو مواثيق حقوقية، مشددة على أن جوهرها هو الحق في الحياة والكرامة والاستمرارية للشعب الفلسطيني.
وتخلص الباحثة إلى أن غزة تحولت إلى مقبرة جماعية بفعل هذه السياسات، حيث يتعرض الفلسطينيون للموت البطيء عبر الحصار والتجويع، وللموت السريع عبر القصف والاغتيالات. وهي ترى أن ما يجري اليوم ليس سوى امتداد للنكبة المستمرة منذ عام 1948، حيث يُعاد إنتاج التهجير والقتل والاقتلاع بلا توقف.




