كشفت بيانات بحثية حديثة أن إسرائيل هاجمت مصادر المياه الفلسطينية أكثر من 250 مرة خلال السنوات الخمس الماضية، في واحدة من أكثر الحملات المنهجية ضد البنية التحتية المدنية ارتباطًا بالحياة اليومية للفلسطينيين.
وتأتي هذه الهجمات في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة لتؤكد أن السيطرة على المياه ليست مجرد أداة ضغط عسكرية، بل جزء أساسي من بنية الاحتلال القائمة على الإخضاع والعقاب الجماعي.
وفقًا لمعهد المحيط الهادئ، وهو مركز أبحاث دولي يتابع الصراعات المرتبطة بالمياه، فإن أكثر من 90 هجومًا وقع بين يناير/كانون الثاني 2024 ومنتصف 2025 وحدهما، استخدمت فيها القوات الإسرائيلية والمستوطنون أدوات متعددة: القنابل، القنص، الكلاب الهجومية، السموم، والآلات الثقيلة، مستهدفةً الفلسطينيين العاملين في مواقع المياه أو البنية التحتية نفسها.
وبحسب البيانات فإنه في قطاع غزة، بلغ حجم الاعتداءات مستوى كارثيًا، بحيث تشير التقديرات إلى أن 90% من مرافق المياه والصرف الصحي في القطاع دُمرت أو تضررت، سواء بفعل قصف مباشر أو نتيجة حصار ومنع وصول الفلسطينيين إليها.
وقد حول هذا الانهيار شبه الكامل للبنية التحتية للمياه، النقص إلى كارثة صحية وإنسانية، بحسب بيدرو أروجو-أغودو، المقرر الخاص للأمم المتحدة.
كما أن الهجمات الإسرائيلية لم تستهدف البنية فحسب، بل استهدفت المدنيين أثناء بحثهم عن المياه. ففي فبراير/شباط 2024، قتل قناصة إسرائيليون ثمانية فلسطينيين بينما كانوا يجمعون المياه قرب مستشفى ناصر في غزة.
وفي أبريل/نيسان من العام نفسه، أدى قصف مدرستين في مدينة غزة إلى قتل وإصابة أكثر من 100 شخص، وتدمير وحدة تحلية ممولة أوروبيًا كانت تقدم مياه شرب نظيفة لآلاف السكان.
وفي يوليو/تموز، قتلت قوات الاحتلال عشرة فلسطينيين على الأقل أثناء تجمعهم عند نقطة توزيع مياه في مخيم النصيرات، بينهم ستة أطفال، بينما أصيب 16 آخرون. ويعد هذا الهجوم جزءًا من نمط موسع خلّف أكثر من ألف شهيد خلال محاولتهم الحصول على الغذاء والماء منذ بداية الحرب، في ظل مستويات كارثية من الجفاف والمجاعة.
ودفعت هذه الاعتداءات مجموعة من خبراء الأمم المتحدة للتحذير في يوليو من أن إسرائيل تستخدم “العطش كسلاح لقتل الفلسطينيين”، وهو توصيف يمس جوهر جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية.
الضفة الغربية: هجمات المستوطنين واستراتيجية التجفيف
تتكرر الاعتداءات كذلك في الضفة الغربية، لكن بصيغة تختلف من حيث الفاعلين. فالمستوطنون يلعبون دورًا مركزيًا في تفكيك شبكات المياه والري الفلسطينية.
في قرية بردلة، قام مستوطنون بتدمير خطوط الري في الأراضي الزراعية، وفي اليوم ذاته هاجم مستوطنون آخرون خط مياه رئيسيًا في خربة مجاورة. هذه الهجمات، رغم محدودية حجمها مقارنة بغزة، تؤدي إلى خسائر اقتصادية فادحة للفلاحين وتساهم في تهجير قسري صامت عبر جعل الحياة الزراعية غير ممكنة.
وقد أكدت الأمم المتحدة أكدت أن هذا السلوك ممنهج. يقول أروجو-أغودو إن إسرائيل “استخدمت المياه بشكل منهجي لتهجير وعزل الفلسطينيين في أراضي احتلتها بشكل غير قانوني منذ 1967، كجزء من استراتيجية الفصل العنصري والاستعمار التدريجي”.
ونبه إلى أن القانون الإنساني الدولي يعتبر حرمان المدنيين من المياه جريمة حرب. لكن في الحالة الفلسطينية، تضيف الأمم المتحدة بُعدًا آخر: هذه الممارسات، باستهدافها المقصود لمصادر البقاء الأساسية، تشكل جزءًا من استراتيجية الإبادة الجماعية في غزة.
ورغم أن العنف المرتبط بالمياه يتزايد عالميًا، إلا أن الحالة الفلسطينية تظل من الأكثر حدة وتأثيرًا. فقد مثّلت الاعتداءات الإسرائيلية على مصادر المياه 12% من كافة الهجمات المرتبطة بالمياه عالميًا عام 2024، وهي نسبة ضخمة مقارنة بمساحة فلسطين وعدد سكانها.
ويشير معهد المحيط الهادئ إلى أن استخدام المياه كسلاح أصبح أكثر انتشارًا على مستوى العالم، لكن في فلسطين يتحول هذا السلاح إلى أداة للإخضاع الاستراتيجي، تستهدف الهوية والوجود الاقتصادي والصحي والاجتماعي للشعب الفلسطيني.




