شهدت الضفة الغربية المحتلة تصاعدًا مقلقًا في أعمال العنف خلال الأسابيع الأخيرة، بالتزامن مع موسم حصاد الزيتون، حيث يواجه المزارعون الفلسطينيون موجة متزايدة من الاعتداءات والمضايقات المنظمة من قبل مستوطنين إسرائيليين مسلحين.
وقد أظهرت بيانات الأمم المتحدة أن شهر أكتوبر/تشرين الأول شهد تسجيل 260 هجومًا على الفلسطينيين، وهو أعلى رقم شهري منذ بدء الرصد في عام 2006، ما يعكس حجم العنف المتصاعد بعد وقف إطلاق النار في غزة قبل نحو ستة أسابيع.
وتشير التقارير إلى أن المستوطنين يستهدفون الأراضي الزراعية والمزارعين بشكل مباشر، بما في ذلك تخريب المركبات الزراعية وحرق أشجار الزيتون.
ففي بلدة سنجل، تعرضت سيارات للتخريب، كما داهم مستوطنون أراضٍ زراعية قرب قرية المغير. وفي بيت فوريك شرق نابلس، اعتدى مستوطنون على مزارع وأتلفوا محاصيله، بينما شهدت قرى مثل بيت ليد قرب طولكرم ومحيط دير استيا حوادث تخريب مساجد ونهب مناطق صناعية وحرق عشرات المركبات.
وبحسب اتحاد المزارعين الفلسطينيين، فإن حوادث العنف ضد أعضائه ارتفعت أربعة أضعاف مقارنة بما كانت عليه قبل حرب غزة، مؤكدين أن هذه الهجمات “ليست عشوائية، بل تهدف إلى تقويض الحياة الريفية الفلسطينية وإرهاب المزارعين”.
وأدى العنف إلى إصابة عدد من الفلسطينيين وترك الأسر في حالة خوف مستمر، كما عبر محمود ادعيس من بيت ليد عن شعوره بعدم الأمان، قائلاً إنه لا يستطيع أن يطمئن على سلامة أطفاله أثناء نومه.
ولم تقتصر الأعمال العدوانية على المستوطنين، فقد شهدت المنطقة أيضًا تصعيدًا في العنف العسكري الإسرائيلي.
وأفادت وزارة الصحة الفلسطينية في الضفة الغربية باستشهاد سبعة فلسطينيين في نابلس خلال الأسبوعين الماضيين على يد الجيش الإسرائيلي، بينهم ستة مراهقين تتراوح أعمارهم بين 15 و17 عامًا.
وبذلك، تجاوز عدد الفلسطينيين الذين استشهدوا منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول أكثر من ألف شخص، بينهم أكثر من 200 فتى وسبع فتيات، إضافة إلى 20 امرأة وسبعة أشخاص على الأقل من ذوي الإعاقة.
وفي مواجهة هذه التصاعدات، أدان الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ هجوم بيت ليد، واصفًا إياه بأنه “صادم وخطير” ويتجاوز “الخطوط الحمراء”. فيما أكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن أعمال العنف صادرة عن “أقلية” لا تمثل جمهور المستوطنين، مهددًا باتخاذ إجراءات قانونية.
إلا أن الفلسطينيين ونشطاء حقوق الإنسان يرون أن السلطات الإسرائيلية لا تبذل جهدًا حقيقيًا لوقف عنف المستوطنين، إذ تُشير التقارير إلى أن تحقيقًا واحدًا من كل عشرين تحقيقًا ينتهي بتوجيه اتهامات، بينما تُفرج السلطات غالبًا عن المشتبه بهم في قضايا العنف الأخيرة.
كما تواجه جهود التضامن الدولية مع المزارعين الفلسطينيين عراقيل مستمرة، فقد منعت السلطات الإسرائيلية مئات الناشطين من الوصول إلى قرية بورين لمساعدة المزارعين في قطف الزيتون، واحتجزت متطوعين أجانب من أوروبا والولايات المتحدة لعدة أيام قبل ترحيلهم، في ما اعتبره النشطاء محاولة استراتيجية لترهيب الفلسطينيين وردع أي دعم دولي.
يُذكر أن قطاع الزيتون يشكل مصدر رزق مباشر لحوالي 110 آلاف مزارع في الضفة الغربية، بينما يعتمد 50 ألف شخص آخرون على العمل في هذا القطاع.
وقد أدى العنف المستمر إلى انخفاض العائدات الزراعية بشكل كبير، ما فاقم الأزمة الاقتصادية في المنطقة، التي تعاني أصلًا من قيود الاحتلال والتوسع الاستيطاني المستمر، إذ يعيش 2.7 مليون فلسطيني في الضفة الغربية، حيث توسعت المستوطنات الإسرائيلية بشكل ممنهج في الأراضي المحتلة منذ حرب 1967، على الرغم من اعتبارها غير قانونية بموجب القانون الدولي.
وفي خضم هذا العنف المتصاعد، يبقى المزارعون الفلسطينيون عرضة للتخريب والإرهاب المستمر، ويستمر الخطر اليومي على حياتهم وممتلكاتهم، وسط حالة من الإفلات شبه التام من العقاب للمستوطنين، ما يعكس تعقيدات الوضع الأمني والسياسي في الضفة الغربية ويبرز الحاجة الملحة لجهود دولية لوقف التصعيد وحماية المدنيين.




