سجّل القطاع الصحي في غزة خلال عام 2025 أرقامًا صادمة وغير مسبوقة في أعداد المواليد الذين يعانون من تشوهات خلقية، وأوزان غير طبيعية، والولادات المبكرة، في مؤشر خطير على الكلفة الإنسانية الكارثية للحرب المستمرة، والتي باتت تضرب أبسط حق من حقوق الإنسان: الحق في ولادة آمنة.
وبحسب معطيات صحية موثّقة، شهد عام 2025 ما مجموعه 48,500 حالة ولادة نتج عنها 49,180 مولودًا، في ظل ظروف طبية وإنسانية توصف بالمنهارة.
ومن بين هؤلاء، وُلد 4,900 طفل بأوزان غير طبيعية، فيما سُجلت 4,000 حالة ولادة مبكرة، وهي أرقام تعكس اختلالًا حادًا في صحة الأمهات والأجنة على حد سواء.
الأخطر من ذلك، أن الطواقم الطبية وثّقت 315 حالة ولادة لأطفال يعانون من تشوهات خلقية، شملت تشوهات في القلب، والمثانة، والجهاز العصبي، وأعضاء حيوية أخرى.
وأكد أطباء أن هذا النمط من التشوهات لم يكن يُسجَّل بهذا الحجم قبل الحرب، ولا سيما في عام 2022، ما يعزز القناعة بأن ما يجري ليس ظاهرة صحية طبيعية، بل نتيجة مباشرة للعدوان وتداعياته البيئية والغذائية والنفسية.
كما سجّل العام ذاته 616 حالة وفاة داخل الرحم، في حين تم توثيق نحو 5,000 حالة إجهاض قبل الأسبوع الرابع والعشرين من الحمل، وهي مرحلة يُفترض فيها أن تكون فرص بقاء الجنين مرتفعة في الظروف الطبيعية.
وتُظهر هذه الأرقام انهيار منظومة الرعاية الصحية الخاصة بالحوامل، وانعدام القدرة على التدخل المبكر أو الوقاية.
ولم تتوقف الخسائر عند ذلك الحد، إذ توفي 450 طفلًا خلال الأسبوع الأول بعد الولادة نتيجة أمراض ومضاعفات مختلفة، من بينها فشل الجهاز التنفسي، والالتهابات الحادة، ونقص الحاضنات، وغياب الرعاية المركزة لحديثي الولادة.
وتشير التقديرات الطبية إلى أن نسبة الارتفاع في التشوهات والولادات المبكرة تجاوزت 60% مقارنة بالحالات الطبيعية، وهو رقم يضع غزة في صدارة المناطق المنكوبة صحيًا على مستوى العالم، ويعكس حجم الدمار غير المرئي الذي خلّفته الحرب في الأجساد الصغيرة قبل أن ترى النور.
ويجمع الأطباء والخبراء الصحيون على أن الحرب هي السبب الرئيسي والمباشر وراء هذه القفزة الحادة في أعداد الحالات، مؤكدين أن هذا النمط لم يكن موجودًا قبل العدوان، لا من حيث الحجم ولا من حيث الانتشار الجغرافي.
فقد تعرضت النساء الحوامل في غزة، وفق شهادات طبية، إلى استنشاق كثيف لغبار وبارود الصواريخ الناتج عن القصف المتواصل، وهو ما يُشتبه بتسببه في اضطرابات خطيرة أثناء تكوّن الأجنة.
كما أدّى سوء التغذية والمجاعة إلى حرمان الأمهات من العناصر الأساسية مثل الحديد والبروتينات والفيتامينات، ما انعكس مباشرة على نمو الأجنة وأوزانهم.
إلى جانب ذلك، فاقم انتشار مياه الصرف الصحي وانعدام النظافة العامة من المخاطر الصحية، خاصة في ظل تكدّس السكان داخل خيام تفتقر لأدنى مقومات الحياة.
وتؤكد تقارير ميدانية أن آلاف النساء اضطررن لإكمال حملهن في ظروف غير إنسانية، وسط برد شديد، وغياب المياه النظيفة، وانعدام المتابعة الطبية.
ويرى مختصون أن ما يجري في غزة لم يعد مجرد أزمة صحية طارئة، بل كارثة صحية طويلة الأمد ستترك آثارها لعقود مقبلة، ليس فقط على جيل المواليد الحالي، بل على البنية السكانية والصحية للمجتمع بأسره.
ويحذّر أطباء من أن استمرار الحرب، ومنع إدخال المستلزمات الطبية والغذائية، يعني أن أرقام عام 2025 قد لا تكون الذروة، بل مقدمة لأعوام أكثر قتامة، يُولد فيها الأطفال محمّلين بآثار حرب لم يختاروها، وقد لا ينجون منها حتى قبل أن تبدأ حياتهم.





