رغم الإفراج عن آلاف الأسرى الفلسطينيين في إطار صفقات التبادل الأخيرة، إلا أن واقع ما بعد السجن لا يبدو، بالنسبة لكثيرين، بداية لحياة جديدة بقدر ما هو انتقال إلى شكل آخر من القيود والملاحقة الأمنية.
سلامة قطاوي، الذي أمضى خمسة عشر عامًا في السجون الإسرائيلية، وجد نفسه مجددًا في قبضة القوات الإسرائيلية يوم زفافه، بعدما داهمت قوة عسكرية منزله في بلدة بيرزيت شمال رام الله وأعادت اعتقاله لساعات، قبل الإفراج عنه قبيل بدء مراسم الزواج. وفي محيط قاعة الاحتفال، نُصب حاجز عسكري أدى إلى تأخير وصول المدعوين، في مشهد اعتبره أقارب العائلة رسالة أمنية واضحة.
ومنذ الإفراج عنه في فبراير الماضي ضمن المرحلة الثانية من صفقة تبادل مع حركة حماس، تعرّض قطاوي لسلسلة مداهمات واستدعاءات للتحقيق، رافقتها تحذيرات مباشرة من ممارسة أي نشاط سياسي أو اجتماعي أو الظهور الإعلامي، تحت طائلة إعادة الاعتقال.
وتشير شهادات متطابقة إلى أن هذه الإجراءات لم تعد استثنائية، بل تحوّلت إلى نمط متكرر بحق عدد كبير من الأسرى المحررين، لا سيما أولئك الذين أُفرج عنهم إلى الضفة الغربية. ووفق معطيات نادي الأسير الفلسطيني، أُعيد اعتقال عشرات الأسرى بعد الإفراج عنهم، فيما تعرّضت منازل آخرين لمداهمات وتخريب، بمن فيهم من جرى إبعادهم خارج الأراضي الفلسطينية، في إطار سياسة يُنظر إليها على أنها إبقاء دائم تحت الرقابة والضغط.
وخلال الفترة الممتدة بين نوفمبر 2023 وأكتوبر 2025، أُفرج عن نحو أربعة آلاف أسير فلسطيني ضمن صفقات تبادل متدرجة، إلا أن كثيرين منهم واجهوا قيودًا حالت دون استعادة حياتهم الطبيعية، ومنعت أي مظاهر علنية للاحتفال بالإفراج.
ومن بين الحالات البارزة، إعادة اعتقال الأسيرة المحررة أسيل التيتي، بعد أكثر من عام على الإفراج عنها، خلال مداهمة في نابلس. كما تخضع الأسيرة رغد الفاني، التي أُفرج عنها في اليوم الأول من صفقة نوفمبر 2023، للاعتقال الإداري منذ مطلع العام الجاري، دون توجيه تهم رسمية، استنادًا إلى ما تصفه السلطات الإسرائيلية بـ«ملف سري».
وتقول عائلة الفاني إن ابنتهم عاشت منذ الإفراج عنها في حالة عزلة شبه كاملة داخل مدينة طولكرم، خشية الحواجز العسكرية، واضطرت إلى متابعة دراستها محليًا فقط، قبل أن يُعاد اعتقالها مجددًا.
ويرى مختصون في شؤون الأسرى أن هذه الممارسات تهدف إلى فرض سيطرة أمنية طويلة الأمد على الأسرى المحررين، وردعهم عن أي دور اجتماعي أو سياسي محتمل، وفرض ثمن مستمر على الإفراج الذي تحقق عبر صفقات التبادل.
وتتجلى هذه السياسة أيضًا في حالة إياد جرادات، الذي أمضى اثنين وعشرين عامًا في السجون الإسرائيلية. فقبل الإفراج عنه، أبلغه ضابط استخبارات بأنه سيظل تحت المراقبة، وهو ما يؤكد جرادات أنه تحقق فعليًا من خلال مداهمات متكررة لمنزله وتهديدات مباشرة، حتى بعد أيام قليلة من زواجه.
ويقول جرادات إن الخوف من الاعتقال المفاجئ بات جزءًا من حياته اليومية، لدرجة أنه ينام بملابس الخروج تحسبًا لأي اقتحام ليلي، معتبرًا أن الإفراج عنه لم يمنحه إحساسًا حقيقيًا بالحرية، بل أدخله في حالة دائمة من القلق وعدم الاستقرار.
وبحسب نادي الأسير الفلسطيني، يتركز استهداف الأسرى المحررين على من يتمتعون بحضور اجتماعي أو رمزية خاصة، في محاولة لإفراغ الإفراج من مضمونه، وإيصال رسالة مفادها أن السيطرة الأمنية لا تنتهي بخروج الأسير من السجن.
وفي ظل غياب أي ضمانات تمنع إعادة الاعتقال، كما حدث في صفقات سابقة، يعيش كثير من الأسرى المحررين حالة من الترقب الدائم، وسط قناعة بأن حريتهم تبقى مشروطة وقابلة للسحب في أي لحظة، في واقع يعكس استمرار منظومة السيطرة خارج جدران السجون.




