القدس المحتلة ــ قدس اليومية
شهدت الأيام القليلة الماضية فصلاً جديداً وكارثياً من فضائح تسريب عقارات مقدسية لمستوطنين أفراد أو لجمعيات صهيونية. وكارثة تسريب عقار عقبة درويش تتشابك فيها أسماء ثلاثة، كل منها يرمي المسؤولية على الآخر، بينما الغائب الحاضر يبقى السلطة الفلسطينية، المفترض أن تكون مسؤولة عما تبقّى من صلاحياتها وواجباتها.
وينكر خالد عبد الحميد العطاري، وهو رجل أعمال فلسطيني معروف، ومقيم بين رام الله والقدس المحتلة، أي مسؤولية له عن تسريب وبيع عقار لصالح مستوطنين في عقبة درويش بالبلدة القديمة من القدس، لا يبعد عن المسجد الأقصى سوى بضع عشرات من الأمتار.
والعقار هو نفسه الذي اقتحمه مستوطنون فجر يوم الخميس الماضي وسيطروا عليه، وهو ضخم ومكوّن من ثلاث طبقات وكان مملوكاً في الأصل لعائلة أديب جودة غضية الحسيني، إحدى أشهر عائلات القدس، قبل أن تبيعه للعطاري بعدما كانت قد أبطلت عقد بيع لفلسطيني يقيم في الولايات المتحدة ويدعى فادي السلامين.
ويعود سبب إبطال العقد مع الأخير إلى عدم التزامه بسداد دفعات ما تبقّى من ثمن العقار البالغ مليوني دولار، بفعل ضغوط مورست عليه من قبل السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية في رام الله، لعلاقة قيل إنّها تربطه بالقيادي الأمني المطرود من حركة “فتح” محمد دحلان، إذ تمّ الحجز على حسابات السلامين، ما جعله غير قادر على إتمام عملية الشراء، وبالتالي تمّ فسخ عقد البيع وإبطاله.
حينذاك، دخل العطاري المشهد من بوابة شراء العقار، وتمّ ذلك بالفعل، قبل أن يعود ويتراجع عن شرائه من دون أن يوضح أسباب ذلك، لكنه يقول إنه يملك من الوثائق والمستندات ما يثبت عدم علاقته بالعقار، وينفي نفياً قاطعاً قيامه بأي عملية بيع لمستوطنين، وهو الأمر الذي أطلع عليه الأجهزة الأمنية في رام الله، إذ قدّم لهم ما لديه من معطيات في هذا الشأن.
لكنّ العطاري يعتبر أنّه تمّ “تضليله والضحك عليه” من قبل مالك العقار الأصلي الذي ادعى أنّ العقار كان في حوزة العطاري حين اقتحمه المستوطنون، وأنّ اتفاقية البيع الموقعة معه تشير إلى ذلك.
ويؤكّد العطاري أنّ الاتفاقية التي تحدّث عنها مالك العقار الأصلي، أديب جودة، كانت قد حصلت بالفعل، لكنّه أبطلها لاحقاً، تماماً كما كان عليه الحال حين أبطل الصفقة مع السلامين.
وبالتالي لم تعد تربطه أي صلة بالعقار، رغم الادعاء بأنّ فاتورة الكهرباء عن شهر أغسطس/ آب المنصرم تحمل اسم العطاري. وتعليقاً على ذلك، يقول الأخير إنّ “فاتورة الكهرباء ليست إثباتاً بالمطلق”، وإنّ ورود اسمه عليها “جاء في المرحلة الأولى من عملية البيع، إذ نقل جودة الفاتورة إلى اسمي بحكم أنّ ملكية العقار انتقلت لي. أمّا وقد أبطلت عملية البيع، فلم يعد بالإمكان الادعاء بأنّ العقار مملوك لي”.
لكنّ المشهد في الشارع المقدسي ينحو منحى آخر، بتوجيه الاتهام ببيع العقار للمستوطنين، إلى الطرفين: جودة والعطاري.
وتسود الشارع المقدسي صدمة وذهول من جراء تسريب هذا العقار وبيعه لأسوأ جمعيات الاستيطان الناشطة في البلدة القديمة ومحيطها، وهي “إلعاد” خصوصاً أنّ عملية استيلاء المستوطنين على المبنى تمّت بعد أقل من أربع وعشرين ساعة على استيلاء متطرفين يهود على عقار ضخم آخر، مكوّن من شقتين وقطعة أرض تقارب مساحتها الدونم، في بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى.
ولم يشفع لكلا الرجلين، جودة والعطاري، إصدارهما بيانين منفصلين، نشرا في صحيفة “القدس” المقدسية، يوم الجمعة الماضي، يوضح فيهما كل واحد منهما موقفه مما جرى وملابساته، مع ادعاء كل طرف بأن لديه مستندات ووثائق تدحض مزاعم الطرف الآخر.
ويتداول كثيرون في الشارع المقدسي قصصاً عدة عن محاولات لتسريب وبيع عقارات لمستوطنين، ومنها قصة عقار عقبة درويش الأخيرة التي كانت معروفة لجهات فلسطينية عديدة، بدءاً من محافظ القدس السابق، عدنان الحسيني، مروراً بتنظيم حركة “فتح” في القدس، ووصولاً إلى الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي تمّ تحذيرها مراراً مما يتم ترتيبه في الخفاء.
وتعليقاً على هذه التطورات، جدّد الشيخ عكرمة صبري التذكير بفتوى قديمة كانت قد صدرت في عام 1935 تجرّم وتحرّم تسريب وبيع العقارات والأراضي للمستوطنين. ويقول “نحن اليوم نجدّد هذه الفتوى، وكنا تطرقنا إليها أكثر من مرة”، مضيفاً “خائن وعميل من يبيع عقاراتنا وأراضينا لليهود… وتحرّم الصلاة عليه في مساجدنا، ويمنع دفنه في مقابر المسلمين. لذا أناشد المواطنين الحذر من السماسرة وعدم التفريط بأراضيهم وعقاراتهم، لأن من يفعل ذلك ملعون”.





