أثار تقرير جديد للأمم المتحدة بشأن العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات جدلاً واسعاً بعد إدراج الجيش الإسرائيلي ضمن الجهات المذكورة في التقرير، وسط تصاعد التساؤلات حول إمكانية حدوث محاسبة دولية حقيقية بشأن الاتهامات المتزايدة بارتكاب انتهاكات خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة ولبنان.
وأصدر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش التقرير السنوي المقدم إلى مجلس الأمن، والذي تضمن الإشارة إلى حالات موثقة تتعلق باتهامات عنف جنسي ارتكبتها قوات إسرائيلية ضد معتقلين فلسطينيين منذ اندلاع حرب غزة، بينها حالات شملت أطفالاً.
وردت إسرائيل على الخطوة بإعلان قطع الاتصالات مع غوتيريش، بينما رفضت الولايات المتحدة، الحليف الأقرب لتل أبيب داخل مجلس الأمن، إدراج إسرائيل في التقرير ووصفته بأنه قرار غير مقبول.
واعتبرت وسائل إعلام دولية أن الردود السياسية ركزت على مهاجمة التقرير بدلاً من التعامل مع الأدلة التي استند إليها، مشيرة إلى أن غياب آليات محاسبة واضحة يزيد المخاوف بشأن استمرار الانتهاكات.
ولا تتعلق القضية فقط بالاتهامات المرتبطة بالعنف الجنسي، بل بنمط أوسع من الانتهاكات التي تحدث خلال الحروب دون إجراءات جدية للمحاسبة.
ويبرز بهذا الصدد قضية مركز احتجاز سديه تيمان، حيث أُسقطت في مارس/آذار اتهامات موجهة ضد خمسة جنود إسرائيليين كانوا متهمين بالاعتداء الجنسي الجسيم على معتقل فلسطيني.
وأثار القرار انتقادات من اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل، التي حذرت من أن إسقاط القضية قد يرسل رسالة تشجع على تكرار مثل هذه الانتهاكات.
وتقول منظمات حقوقية إن مراكز الاحتجاز الإسرائيلية أصبحت إحدى القضايا التي تخضع لتدقيق متزايد منذ حرب غزة، مع ورود شهادات عن ظروف اعتقال وانتهاكات بحق فلسطينيين.
وتجاوزت الاتهامات ملف المعتقلين إلى ساحات قتال أخرى، خصوصاً لبنان، حيث كشفت تحقيقات صحفية عن اتهامات لإسرائيل بتنفيذ هجمات ممنهجة ضد المسعفين وفرق الإنقاذ.
ووثق التحقيق حوادث استهداف لفرق طبية أثناء أداء عملها، بينها ما يعرف بـ”الضربات المزدوجة”، حيث يتم تنفيذ ضربة ثانية بعد وصول المسعفين إلى موقع القصف الأول لإنقاذ المصابين.
وبحسب التحقيق، قُتل أكثر من 120 من العاملين في المجال الطبي في لبنان خلال العمليات العسكرية، بينما قدم مسعفون تسجيلات من داخل سيارات الإسعاف لمحاولة الرد على الاتهامات الإسرائيلية باستخدام المركبات الطبية لنقل أسلحة.
وأشار خبراء قانونيون إلى أن تكرار هذه الحالات قد يمثل نمطاً من الانتهاكات التي يمكن أن ترقى إلى جرائم حرب وفق قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف.
في المقابل، تؤكد إسرائيل أنها لا تستهدف المدنيين أو الطواقم الطبية عمداً، وتقول إن عملياتها العسكرية تستهدف جماعات مسلحة تستخدم البنية المدنية لأغراض عسكرية.
لكن منظمات حقوقية ترى أن تكرار سقوط الضحايا بين العاملين في المجال الإنساني يتطلب تحقيقات مستقلة، وليس الاكتفاء بتحقيقات داخلية تجريها إسرائيل نفسها.
وانتقدت وسائل إعلام دولية اعتماد الحكومات الغربية المتكرر على مطالبة إسرائيل بالتحقيق في الاتهامات الموجهة إليها، معتبرة أن هذا النهج لم يعد كافياً في ظل تراكم الملفات الحقوقية.
وأشارت إلى قضية مقتل المواطن الكندي محمد حسن حيدر في غارة إسرائيلية بطائرة مسيرة في لبنان، حيث واجهت الحكومة الكندية تساؤلات بشأن قبولها انتظار تحقيق إسرائيلي في الحادث.
وترى جهات حقوقية أن التحقيقات المرتبطة بجرائم الحرب يجب أن تكون مستقلة وشفافة، خصوصاً عندما يكون الطرف المتهم جزءاً مباشراً من النزاع.
ويؤكد مراقبون أن تقرير الأمم المتحدة الأخير يجب أن يمثل نقطة تحول في طريقة تعامل المجتمع الدولي مع مزاعم الانتهاكات، مؤكدة أن استمرار تأجيل المساءلة يضعف الثقة بالمؤسسات الدولية، حيث أن القضية أصبحت اختباراً لمصداقية النظام الدولي الذي أنشئ بعد الحروب الكبرى لمنع الانتهاكات وحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.
ويرى المراقبون أن الانقسام السياسي الدولي حول إسرائيل يجعل مسار المحاسبة أكثر تعقيداً، خصوصاً مع استمرار الدعم الأمريكي القوي لتل أبيب واستخدام الخلافات الدبلوماسية داخل المؤسسات الدولية.
وتكشف الملفات المتزايدة أمام الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية عن معركة طويلة بين مطالب التحقيق المستقل ومواقف الدول التي ترى أن لإسرائيل حق إدارة تحقيقاتها الخاصة.
وفي ظل استمرار الحرب وتوسع الاتهامات من غزة إلى لبنان، يبقى السؤال الرئيسي مطروحاً حول ما إذا كانت المؤسسات الدولية قادرة على فرض محاسبة فعلية، أم أن الاعتبارات السياسية ستواصل تعطيل المسار القانوني.





