Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أهم الأنباءفلسطين

إسرائيل تستهدف النظام الصحي في غزة بشكل منهجي: “الشظايا اخترقت قلوب الأطفال”

29 مايو، 2025

في شهادة صادمة أمام مجلس الأمن الدولي، اتهم الجراح الأمريكي فيروز سيدهوا الجيش الإسرائيلي بتدمير نظام الرعاية الصحية في قطاع غزة بشكل متعمد، واصفًا ما يجري هناك بأنه “تفكيك منهجي” لمرافق الحياة، في انتهاك صارخ للقانون الإنساني الدولي.

كان الدكتور سيدهوا، وهو طبيب متخصص في جراحة الصدمات والعناية المركزة من ولاية كاليفورنيا، قد أمضى أسابيع داخل مستشفيات غزة خلال مهمتين طبيتين، إحداهما في المستشفى الأوروبي بخان يونس مطلع 2024، والثانية في مجمع ناصر الطبي في أبريل من هذا العام. وشهد خلالها ما وصفه بأنه “تصفية متعمدة للبنية التحتية الطبية، واستهداف ممنهج للمدنيين”.

وقال سيدهوا في خطابه المؤثر إن ما رآه يتجاوز ما يمكن للعقل البشري أن يستوعبه: “لم أرَ أو أعالج أي مقاتل خلال الأسابيع الخمسة التي قضيتها في غزة. كان مرضاي أطفالًا في السادسة من عمرهم، مصابين بشظايا اخترقت قلوبهم، ورصاصات مستقرة في أدمغتهم. نساء حوامل بُترت حوضوهن، وأجنتهن خرجت ممزقة من أرحامهن”.

وصف الجراح كيف تحولت المستشفيات إلى ملاجئ للعائلات التي لم تجد مأوى، فباتت تطهو الخبز على ألواح التسخين في أقسام الطوارئ، بينما تنهال الغارات الجوية فوق رؤوسهم.

وأضاف أن معظم ضحاياه كانوا أطفالًا، تمزقت أجسادهم بانفجارات لا تميّز بين مدني ومقاتل، وبين جناح للمرضى وهدف عسكري مزعوم.

الموت جوعًا وتحت الركام

القتل في غزة لا يأتي فقط من الطائرات والقصف، بل من انهيار كل مقومات الحياة، كما يقول سيدهوا: “يموت المدنيون من الجوع، من تسمم الدم، من نقص الأدوية، ومن البرد واليأس”.

وأكد أن إسرائيل تحرم الفلسطينيين عمداً من “الظروف الضرورية للحياة”، مشيرًا إلى أن الوالدين باتا يحتفظان بملابس أبنائهم في حال اضطروا للتعرف على أشلائهم، ويدعون الله أن يحصلوا على كسرة خبز قبل النوم حتى لا يموت أطفالهم جوعًا إذا ما قُتلوا ليلًا.

هذه الشهادة تأتي في وقت وثقت فيه منظمة الصحة العالمية ما يقرب من 700 هجوم على مرافق طبية في غزة منذ بدء الحرب.

ومنذ تصعيد الهجوم الإسرائيلي في مايو، تفاقمت الأزمة الإنسانية إلى مستويات كارثية. أُغلقت المعابر الحدودية لأكثر من ثلاثة أشهر، ما دفع غزة إلى حافة المجاعة، بحسب تقارير أممية.

وتقول سيغريد كاغ، منسقة الأمم المتحدة الخاصة بعملية السلام في الشرق الأوسط، إن المساعدات التي تصل الآن إلى القطاع “تشبه قارب نجاة بعد غرق السفينة”، مؤكدة أن تدهور أوضاع المدنيين “من صنع الإنسان”.

ويبدو أن المأساة لا تقتصر على الحاضر، بل تتجاوز ذلك إلى مستقبل مجهول: أطفال مشوهون، أجيال بلا تعليم أو رعاية صحية، ودمار شامل لكل ما يُبقي شعبًا على قيد الحياة.

الاحتلال لا يُدار إنسانيًا

ما عبّر عنه الدكتور سيدهوا يتجاوز الغضب الإنساني العفوي، ليحمل دلالات قانونية خطيرة. فحديثه عن “تفكيك منهجي” و”استهداف مدروس” لا يشير فقط إلى فشل في حماية المدنيين، بل إلى احتمال وجود نية مسبقة في تدمير مجتمع بأكمله، وهو ما يندرج ضمن تعريف الإبادة الجماعية في القانون الدولي.

وفي حين تستمر إسرائيل في تبرير عمليتها العسكرية بأنها تستهدف “تدمير حماس أو نزع سلاحها”، فإن الواقع الميداني يقول إن الهدف أوسع من ذلك بكثير: تدمير بيئة الحياة نفسها في غزة، وتطبيع فكرة أن القطاع غير قابل للعيش، لا حاضر فيه ولا مستقبل.

المجتمع الدولي: بيانات بلا أفعال

رغم الشهادات المؤثرة، لا يزال المجتمع الدولي يكتفي بالإدانة الخطابية. دعت كاغ إلى إحياء حل الدولتين، وقالت إن المؤتمر الدولي المقبل في يونيو في الأمم المتحدة “فرصة حاسمة”.

لكن هذه الدعوات تبدو متأخرة أمام حجم الكارثة، خاصة في ظل عجز الأمم المتحدة حتى عن ضمان دخول المساعدات الغذائية والطبية بكميات كافية.

وبينما تستمر إسرائيل في مطالبة حماس بإطلاق سراح 58 أسيرًا إسرائيليًا، يُعتقد أن ثلثهم فقط لا يزالون على قيد الحياة، فإنها قتلت حتى الآن أكثر من 54 ألف فلسطيني وجرحت 123 ألفًا آخرين، معظمهم من المدنيين، منذ هجمات 7 أكتوبر 2023.

من الشهادة إلى المساءلة

إذا كانت شهادة الدكتور سيدهوا تمثل وثيقة إنسانية، فهي أيضًا أداة قانونية لا بد من استثمارها في مسار المحاسبة. فمثل هذه الشهادات يجب ألا تبقى حبيسة قاعات مجلس الأمن، بل يجب أن تتحول إلى ملفات تُقدَّم إلى محكمة الجنايات الدولية، لتثبت أن الحرب على غزة ليست مجرد رد على هجوم، بل سياسة منهجية لتفكيك مجتمع ومحو شعب.

وفي النهاية، فإن ما يجري في غزة اليوم ليس أزمة إنسانية فحسب، بل اختبار جوهري لقدرة العالم على حماية القيم التي يدعي الدفاع عنها. والسكوت عن هذا الدمار الممنهج هو تواطؤ، حتى وإن جاء على هيئة صمت دبلوماسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى