أعلن الاتحاد الأوروبي إطلاق مراجعة شاملة لاتفاقية الشراكة السياسية والاقتصادية مع إسرائيل، في خطوة دبلوماسية لافتة تعكس تنامي الغضب الأوروبي من الكارثة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة في ظل الحصار والهجمات العسكرية الإسرائيلية المستمرة.
وقالت كايا كالاس، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، إن “الوضع في غزة كارثي”، مؤكدة أن “الضغط ضروري لتغيير الوضع”. وأضافت خلال تصريحات رسمية: “المساعدات التي سمحت إسرائيل بدخولها مؤخراً لا تمثل سوى قطرة في بحر، ويجب أن تتدفق دون عوائق وعلى نطاق واسع، لأن هذا هو المطلوب بشكل عاجل”.
من أزمة إنسانية إلى تصعيد دبلوماسي
تأتي الخطوة الأوروبية عقب تحذيرات صادمة أطلقتها الأمم المتحدة، أشارت فيها إلى مجاعة وشيكة في غزة تهدد حياة آلاف الأطفال الرضع خلال أيام، وسط استمرار القيود الإسرائيلية على دخول المساعدات الإنسانية. وقالت الأمم المتحدة إن 14 ألف رضيع مهددون بالموت خلال 48 ساعة، نتيجة الجوع والحرمان من الرعاية.
الاتفاقية محل المراجعة، والتي دخلت حيّز التنفيذ عام 2000، تشمل مجالات متعددة من الحوار السياسي إلى التعاون الاقتصادي وتحرير التجارة. ووفقاً لمصادر دبلوماسية في بروكسل، فإن هذه المراجعة تستند إلى “المادة الثانية” من الاتفاق، والتي تشترط احترام حقوق الإنسان كمبدأ أساسي للشراكة.
مبادرة هولندية تتوسع
المبادرة الأوروبية جاءت بدفع من وزير الخارجية الهولندي كاسبار فيلدكامب، الذي بعث الأسبوع الماضي برسالة إلى كايا كالاس دعا فيها إلى تفعيل المادة الثانية من الاتفاق مع إسرائيل. وقد أعرب عدد من وزراء خارجية الدول الأعضاء، من بينهم وزراء من بلجيكا وإيرلندا وإسبانيا، عن دعمهم للمبادرة، ما مهّد الطريق لإطلاق المراجعة رسمياً.
وقال فيلدكامب: “اتخذت هولندا زمام المبادرة انطلاقاً من قلقنا العميق تجاه الأوضاع في غزة”، مضيفاً: “نحن ممتنون لدعم الدول الأعضاء، ولقرار كايا كالاس الذي يعكس تحركاً أوروبياً مهماً ضد الحصار الإنساني الذي تفرضه إسرائيل”.
تصاعد الضغوط السياسية
أعقبت هذه التطورات موجة من الإدانات الغربية لتدهور الوضع في القطاع. فقد عبّر قادة كل من فرنسا والمملكة المتحدة وكندا عن رفضهم لما وصفوه بـ”المعاناة التي لا تُحتمل” في غزة. وازدادت حدة الانتقادات الدولية مع تصاعد الهجمات الإسرائيلية على شمال القطاع خلال عطلة نهاية الأسبوع، ما أسفر عن مقتل المئات من المدنيين.
كما أعلنت الحكومة البريطانية الثلاثاء تعليق مفاوضاتها الجارية بشأن اتفاقية تجارة حرة مع إسرائيل، في خطوة تتماشى مع التوجه الأوروبي المتشدد.
دعوات لحظر السلاح وإلغاء الاتفاق
في البرلمان الأوروبي، رحب النائب اليساري مارك بوتنغا بقرار المراجعة، لكنه اعتبره غير كافٍ، قائلاً: “ما زالت إسرائيل تتلقى أسلحة وأموالاً من أوروبا. هذا تواطؤ كامل في الإبادة الجماعية والتطهير العرقي. نحن بحاجة إلى حظر شامل على توريد السلاح، وإلغاء فوري لاتفاقية الشراكة”.
وبالرغم من الموقف الرسمي للاتحاد، تُظهر تصريحات كالاس تغيراً في اللهجة مقارنة بالأسبوع الماضي، عندما شككت في جدوى المراجعة بسبب التباين السياسي داخل الاتحاد بشأن ممارسة ضغوط على إسرائيل. لكن التطورات الميدانية، والانخراط المتزايد للبرلمانات الأوروبية، فرضت واقعاً جديداً على السياسة الخارجية الأوروبية.
مجاعة وشيكة ومجازر مستمرة
بحسب تقرير صادر عن التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) المدعوم من الأمم المتحدة، نُشر في 12 مايو، فإن أكثر من 93% من سكان غزة يواجهون مستويات حرجة من انعدام الأمن الغذائي، وسط تحذيرات من أن المجاعة “أصبحت احتمالاً مرجحاً بشكل متزايد”.
وتفيد وزارة الصحة في غزة بأن الهجمات الإسرائيلية المتواصلة أودت بحياة أكثر من 55 فلسطينياً يوم الثلاثاء فقط، وأكثر من 500 شخص خلال الأسبوع الماضي. ومنذ بدء العملية العسكرية الإسرائيلية في أكتوبر 2023، ارتفع عدد الشهداء الفلسطينيين إلى ما يتجاوز 55 ألفاً، فيما دُمّرت غالبية البنية التحتية والمساكن في القطاع، وفق السلطات المحلية.
إشارة قوية… ولكن متأخرة؟
رغم أن إطلاق مراجعة الاتفاق يُعد تحولاً كبيراً في الموقف الأوروبي، يرى مراقبون أن الخطوة قد تكون متأخرة نسبياً بالنظر إلى حجم المأساة التي تمر بها غزة. ويرى محللون أن اختبار جدية الاتحاد الأوروبي سيكون في قدرة مؤسساته على المضي قدماً نحو خطوات ملموسة، مثل تقييد العلاقات الاقتصادية ووقف تصدير السلاح.
ومع استمرار إسرائيل في فرض الحصار، ومع تفاقم الأوضاع الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تشكل هذه المراجعة بداية تحول حقيقي في موقف أوروبا، أم أنها ستظل خطوة رمزية ضمن إطار دبلوماسي أوسع؟.





