تحولت المباراة النهائية لكأس العالم 2026 بين إسبانيا والأرجنتين إلى محور نقاش سياسي واسع على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما ربط آلاف المشجعين المواجهة الكروية بالمواقف السياسية للبلدين من القضية الفلسطينية والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، لتتجاوز المباراة حدود المنافسة الرياضية التقليدية.
وشهدت الأيام التي سبقت النهائي انتشار آلاف التعليقات والمنشورات التي اعتبرت أن المباراة تمثل مواجهة رمزية بين دولتين تختلفان في مواقفهما تجاه فلسطين وإسرائيل، حيث ربط مستخدمون على منصات التواصل دعمهم للمنتخبين بالمواقف السياسية لحكومتي مدريد وبوينس آيرس.
وجاءت الانتقادات الموجهة إلى الأرجنتين على خلفية العلاقة الوثيقة التي تربط الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي بإسرائيل، بعدما أعلن في أكثر من مناسبة دعمه القوي لها، ووصف نفسه بأنه “الرئيس الأكثر صهيونية في العالم”، في حين أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دعمه الصريح للمنتخب الأرجنتيني، واصفاً ميلي بأنه “صديق عظيم لإسرائيل”.
كما احتفى عدد من المسؤولين والسياسيين الإسرائيليين عبر منصات التواصل بفوز الأرجنتين على إنجلترا في الدور نصف النهائي، وهو ما عزز موجة الانتقادات من جانب ناشطين مؤيدين لفلسطين.
في المقابل، حظيت إسبانيا بتأييد واسع بين المتضامنين مع القضية الفلسطينية، استناداً إلى مواقف حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، التي اعترفت بدولة فلسطين عام 2024، وأوقفت تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، كما واصلت الدعوة إلى وقف دائم لإطلاق النار في قطاع غزة.
وتداول مستخدمون مقاطع مصورة لتصريحات سانشيز بشأن الاعتراف بفلسطين، معتبرين أن المنتخب الإسباني يمثل الدولة الأوروبية الأكثر وضوحاً في دعم الحقوق الفلسطينية.
وامتد الجدل إلى اللاعبين، إذ أعاد ناشطون تداول مقطع فيديو للاعب المنتخب الإسباني لامين يامال وهو يلوح بالعلم الفلسطيني خلال احتفالات نادي برشلونة بإحراز الدوري الإسباني، باعتباره دليلاً على تضامنه مع فلسطين.
وفي المقابل، تعرض قائد المنتخب الأرجنتيني ليونيل ميسي لانتقادات بسبب عدم إعلانه مواقف واضحة بشأن الحرب في غزة، إلى جانب إعادة تداول صور قديمة جمعته بمسؤولين إسرائيليين خلال جولة أجراها برشلونة عام 2013 في إسرائيل والأراضي الفلسطينية.
إلا أن آخرين دافعوا عن ميسي، مشيرين إلى أن الجولة نفسها شملت لقاءه بالرئيس الفلسطيني محمود عباس في الضفة الغربية، معتبرين أنه لا ينبغي تحميله مسؤولية برنامج الزيارة الرسمي للنادي.
وخلال البطولة، حضرت القضية الفلسطينية في أكثر من مناسبة داخل الملاعب، إذ رفع عدد من المشجعين الأعلام الفلسطينية في المدرجات، بينما ظهر الممثل الإسباني الحائز على جائزة الأوسكار خافيير بارديم وهو يتسلم علماً فلسطينياً من أحد المشجعين خلال مباراة إسبانيا وفرنسا في نصف النهائي.
وعندما سُئل بارديم عن رسالته للفلسطينيين، وضع يده على صدره وقال: “الوجود هو المقاومة”، كما أكد في تسجيل آخر أن “إسبانيا تقف مع فلسطين”.
وفي المقابل، شهدت البطولة أيضاً مواقف مؤيدة لإسرائيل، إذ رفع بعض المشجعين الأرجنتينيين الأعلام الإسرائيلية خلال احتفال مدرب منتخب مصر حسام حسن بتأهل منتخب بلاده، بعدما دخل أرضية الملعب حاملاً العلم الفلسطيني.
ولم يقتصر الجدل على القضية الفلسطينية، إذ واجه المنتخب الأرجنتيني أيضاً انتقادات من بعض الجماهير التي اتهمت الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” بمحاباته خلال البطولة.
ورداً على الاتهامات التي ربطت الأرجنتين بالمواقف الرسمية لرئيسها، أكد عدد من المشجعين الأرجنتينيين عبر وسائل التواصل أن مواقف الحكومة لا تعبر بالضرورة عن توجهات الشعب، مشيرين إلى أن الأرجنتين اعترفت رسمياً بدولة فلسطين عام 2010 خلال رئاسة كريستينا فرنانديز دي كيرشنر.
واعتبر متابعون أن اختزال المباراة في المواقف السياسية يمثل تبسيطاً لمشهد أكثر تعقيداً، مؤكدين أن الرياضة لطالما تداخلت مع السياسة، لكنها لا تعكس بالضرورة مواقف جميع اللاعبين أو الجماهير.
ومع اقتراب صافرة البداية، يستمر الجدل على منصات التواصل، حيث يرى كثيرون أن نهائي كأس العالم هذا العام أصبح بالنسبة لشريحة واسعة من الجماهير مناسبة للتعبير عن المواقف السياسية بقدر ما هو منافسة على اللقب العالمي، في مشهد يعكس استمرار تداخل الرياضة بالقضايا الدولية الكبرى.





