أثار إعلان الأردن والإمارات استئناف عمليات إسقاط المساعدات جواً فوق قطاع غزة موجة انتقادات شعبية وحقوقية واسعة، حيث وصف ناشطون وخبراء إغاثة هذه الآلية بأنها شكل من أشكال الإذلال الجماعي والخطر المباشر على حياة المدنيين، خاصة في ظل استمرار الحصار الإسرائيلي ومنع دخول المساعدات البرية.
وكانت عمان قد أعلنت أن طائرات تابعة للقوات الجوية الأردنية والإماراتية نفذت عملية إسقاط جوي لـ25 طناً من المساعدات فوق مناطق مختلفة في قطاع غزة، في أول عملية من نوعها منذ عدة أشهر.
وأفادت وكالة الأنباء الأردنية بأن الخطوة جاءت “لتلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة”، فيما قال مصدر رسمي أردني لوكالة رويترز إن الإنزال الجوي لا يُعدّ بديلاً عن إيصال المساعدات عبر الطرق البرية.
مشهد مساعدات من السماء… وخطر حقيقي على الأرض
وفيما وصفت وسائل الإعلام الرسمية العمليات بأنها “إنسانية ومنقذة للحياة”، إلا أن سكان القطاع ومراقبين محليين عبّروا عن صدمة متكررة من تكرار هذه الآلية التي لم تسهم في التخفيف الفعلي من الجوع، بل أدت في بعض الحالات إلى مقتل مدنيين جراء سقوط الطرود عليهم أو اضطرارهم للمخاطرة في التقاطها.
ويؤكد شهود عيان من شمال غزة أن بعض المساعدات سقطت فوق مناطق سكنية وأخرى داخل أراضٍ زراعية يصعب الوصول إليها، بينما وقعت اشتباكات بين مواطنين عند موقع سقوط المواد الغذائية.
ويقول محمود الدلو، وهو ناشط في العمل الإغاثي، إن “الإنزال الجوي لا يقدّم حلاً حقيقياً. نحن نتحدث عن أزمة جوع جماعي وسكان يموتون بسبب نقص الغذاء، في حين تكدّس آلاف الشاحنات المحملة بالمساعدات عند معابر غزة بانتظار إذن إسرائيلي”.
وأضاف: “بدلاً من الضغط لفتح المعابر، تحوّل المشهد إلى استعراض طائرات تسقط طرودًا من الجو، وكأن الفلسطينيين يعيشون في قفص تجارب”.
الإمارات تدافع… والانتقادات تتصاعد
من جانبه، أعلن وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان أن بلاده ستستأنف عمليات الإسقاط الجوي فوراً، مضيفاً أن “الوضع الإنساني في غزة بلغ مرحلة حرجة”، وأن الإمارات “تتصدّر الجهود الدولية لتقديم الدعم للفلسطينيين”.
لكن هذه التصريحات لم تقنع الكثيرين. فقد وصف نشطاء فلسطينيون على منصات التواصل الاجتماعي عمليات الإنزال بأنها “استعراضية”، ومجرد غطاء لغياب الضغط السياسي الحقيقي على الاحتلال لوقف الحصار وجرائم التجويع.
وغرد الصحفي الغزي محمد أبو عودة قائلاً:
“بدلًا من إسقاط المساعدات فوق رؤوس الجياع، اسقطوا الحصار. ما الفائدة من طرود لا تكفي وجبة واحدة، بينما يموت الأطفال بالجملة؟”
مساعدات “تحت إذن” الاحتلال
اللافت في هذا السياق أن هذه العمليات تأتي بعد إعلان رسمي من جيش الاحتلال الإسرائيلي بالسماح بإسقاط المساعدات جواً، ما يعكس حجم تحكم الاحتلال في آليات “الإغاثة”، وتحويل العمل الإنساني إلى ملف أمني خاضع لرضاه.
وقال مسؤول عسكري إسرائيلي يوم الجمعة لإذاعة الجيش إن “تل أبيب سمحت باستئناف إسقاط المساعدات الجوية”، وهو ما وصفه مراقبون بأنه محاولة لتخفيف الضغط الدولي دون تقديم حلول حقيقية.
وتقول وكالة “أونروا” إن أكثر من 100 شخص قضوا جوعًا خلال الأسابيع الأخيرة، معظمهم من الأطفال، بسبب منع دخول الغذاء والدواء، رغم وجود آلاف الشاحنات المتوقفة عند المعابر.
وأضافت الوكالة أن ما يحدث في غزة هو “تجويع منهجي”، محذرة من أن الاعتماد على المساعدات الجوية “لا يغطي إلا نسبة ضئيلة من احتياجات السكان ولا يمنع وقوع الكارثة”.
إذلال جماعي أم غطاء سياسي؟
ويذهب محللون إلى أن الإنزال الجوي بات أداة رمزية أكثر من كونه حلاً فعالاً، ويمنح الغطاء لبعض الدول العربية لتقول إنها “تفعل شيئاً”، بينما تتجنب مواجهة إسرائيل دبلوماسيًا أو الضغط لفتح المعابر البرية.
ويشير البعض إلى أن السماح الإسرائيلي بعمليات الإنزال يؤكد أن الاحتلال يوافق على أشكال الإغاثة التي لا تُحرجه ولا تفضح جريمته الأساسية: حصار وتجويع سكان غزة عمدًا.
دعوات لتغيير المسار
في ظل هذه المعطيات، تتزايد الدعوات من منظمات إنسانية وحقوقية فلسطينية ودولية إلى التوقف عن تلميع الإنزال الجوي كأداة إغاثة، والتركيز على فتح المعابر بشكل دائم وغير مشروط، وتقديم ضمانات لحماية المساعدات البرية والفرق الإغاثية.
كما تطالب هذه الجهات الدول العربية، وخاصة الأردن والإمارات، بتوظيف علاقاتها الدولية للضغط على الاحتلال لوقف سياسات الحصار والتجويع، بدلاً من تقديم فتات يُسقط من الجو.
وبينما يُرمى الغذاء من السماء، تبقى العيون الفلسطينية شاخصة إلى الأرض… حيث يُراد لها أن تجوع، وتُذل، وتصمت.





