أسفرت غارة جوية إسرائيلية على مدينة صور جنوب لبنان عن مقتل ثمانية أفراد من عائلة واحدة، بينهم زوجة حامل وطفلة، في حادثة تسلط الضوء على تصاعد استهداف المناطق السكنية مع استمرار العمليات العسكرية في الجنوب.
ووقعت الغارة في السادس من مارس/آذار، مستهدفة منزلًا يعود لعائلة صالح، حيث كانت العائلة قد لجأت إليه بعد مغادرتها منزلها الأصلي إثر تحذيرات إسرائيلية بقصف الحي. وأسفر القصف عن مقتل زوجة حسين صالح، هنية، وابنته سارة البالغة من العمر خمس سنوات، إضافة إلى جنين لم يولد بعد، إلى جانب ستة من أقاربه.
وروى حسين صالح تفاصيل اللحظات التي سبقت الهجوم، مشيرًا إلى أن العائلة اعتقدت أنها انتقلت إلى مكان أكثر أمانًا، خاصة مع قرب المنزل من ثكنة للجيش اللبناني، ما منحهم شعورًا بالحماية.
وغادر صالح المنزل قبل ساعات من القصف لشراء مستلزمات الإفطار خلال شهر رمضان، فيما بقيت ابنته، التي كانت تعاني من شلل جزئي، تلعب في الحديقة مع أقاربها. وبعد نحو ساعة، سمع دوي الانفجار ليعود ويجد المنزل قد تحول إلى حفرة كبيرة.
وقال صالح إنه أدرك فور سماعه الانفجار أن عائلته قد قُتلت، مضيفًا أنه عثر على أشلاء أفراد أسرته بين الأنقاض، في مشهد وصفه بأنه غيّر حياته بالكامل.
وأسفرت الغارة عن مقتل ثمانية أفراد من العائلة، بينهم زوجته وابنته، وعمه وزوجته وطفلاهما، إضافة إلى عمتيه. وأشار إلى أن الضحايا كانوا من المدنيين، بينهم أطفال ونساء، مؤكدًا أن المنزل لم يكن يشكل أي هدف عسكري.
وتندرج هذه الحادثة ضمن سلسلة من الهجمات التي استهدفت عائلات كاملة في جنوب لبنان، حيث قُتل ثمانية أفراد من عائلة في كفرحاتا، وثمانية آخرون من عائلة حمدان في النميرية، وستة من عائلة بسمة في النبطية، وستة من عائلة عبد الستار في بعلبك، في غارات مماثلة.
ويزعم الجيش الإسرائيلي إن عملياته تستهدف عناصر حزب الله وبنيته التحتية، إلا أنه نادرًا ما يقدم أدلة على وجود أهداف عسكرية في المواقع المستهدفة، في وقت تشير فيه تقارير إلى استهداف مناطق مدنية مكتظة ومنازل سكنية.
وتزامنت هذه الهجمات مع تصعيد عسكري واسع، حيث شنت إسرائيل عمليات في عمق الأراضي اللبنانية، وتقدمت بريًا في الجنوب، في إطار ما تصفه بمحاولة إنشاء “منطقة أمنية” لإبعاد حزب الله عن الحدود.
في المقابل، بدأ حزب الله إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل في الثاني من مارس/آذار، دعمًا لإيران، وردًا على ما وصفه بانتهاكات إسرائيلية لوقف إطلاق النار المبرم عام 2024.
ورغم التوصل إلى اتفاق مشروط لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين في الحرب المرتبطة بإيران، أعلنت إسرائيل أن هذا الاتفاق لا يشمل لبنان، ما يعني استمرار العمليات العسكرية في الجنوب.
وأدت الهجمات الإسرائيلية إلى نزوح نحو 1.2 مليون شخص داخل لبنان، في واحدة من أكبر موجات النزوح الداخلي، فيما بلغ عدد القتلى منذ استئناف العمليات نحو 1497 شخصًا، بينهم 126 طفلًا و93 امرأة و54 مسعفًا وخمسة صحفيين.
وتشير المعطيات إلى أن إسرائيل تطبق في لبنان نمطًا مشابهًا لما استخدمته في غزة، حيث وثّقت لجنة تحقيق دولية تابعة للأمم المتحدة ارتكاب أعمال وصفت بأنها إبادة جماعية، أسفرت عن مقتل أكثر من 72 ألف شخص وتدمير واسع للبنية التحتية.
في موقع الغارة، لا تزال آثار الدمار واضحة، حيث دُمّر المنزل بالكامل وتضررت المباني المجاورة، فيما اقتُلعت الأشجار وتناثرت السيارات.
وأوضح صالح أنه أمضى ثلاثة أيام في جمع أشلاء أفراد عائلته بمساعدة فرق الإسعاف، مشيرًا إلى أنه لم يتمكن من إقامة جنازة لائقة لهم بسبب استمرار العمليات العسكرية، واضطر إلى دفنهم في مقبرة جماعية مؤقتة.
وأكد أن العائلة كانت قد نقلت ممتلكاتها ذات القيمة المعنوية إلى المنزل الذي استُهدف، اعتقادًا بأنه مكان آمن، إلا أن القصف حوّل كل شيء إلى ركام.
واتهم صالح الجيش الإسرائيلي باستهداف المنزل رغم علمه بوجود مدنيين داخله، قائلاً إن القوات “تعلم بوجود أطفال ونساء ومع ذلك استهدفت المكان”.
وفي مدينة صور، يواصل عشرات الآلاف من السكان البقاء رغم أوامر الإخلاء التي أصدرها الجيش الإسرائيلي وشملت نحو 14% من الأراضي اللبنانية، وفق ما وصفته منظمات حقوقية بأنه تهجير قسري.
ويعيش العديد من النازحين في ملاجئ حكومية داخل المدينة، في ظل محدودية الخيارات المتاحة، فيما يخشى آخرون مغادرة منازلهم خشية عدم القدرة على العودة.
وزادت إسرائيل من عزلة جنوب لبنان عبر تدمير الجسور فوق نهر الليطاني، ما أدى إلى فصل المنطقة عن بقية البلاد، ولم يتبق سوى معبر واحد للوصول إلى مدينة صور.
ووسط استمرار القصف، قال صالح إنه فقد كل شيء، مضيفًا أنه كان يأمل في تعافي ابنته من الشلل خلال أشهر، قبل أن تفقد حياتها في الغارة.





