ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الاثنين، جريمة جديدة بحق المدنيين في قطاع غزة، حيث فتحت نيرانها على حشود من السكان المرهقين من الجوع قرب أحد مراكز توزيع ما يُسمى بـ”المساعدات الإنسانية” في رفح جنوب القطاع، ما أسفر عن استشهاد 3 مدنيين على الأقل، وإصابة 35 آخرين بجراح متفاوتة، بعضها وُصف بالخطير.
الهجوم الدموي الجديد ليس حادثاً معزولاً، بل يأتي في سياق سياسة ممنهجة اعتمدها الاحتلال منذ أشهر، تقوم على استخدام المساعدات كأداة للقتل الجماعي، من خلال تجميع المدنيين في أماكن مكشوفة، ثم قصفهم أو إطلاق النار عليهم، في ظل غياب تام لأي حماية أو ضمانات إنسانية.
حصيلة ثقيلة خلال أيام معدودة
بحسب وزارة الصحة في غزة، فإن عدد ضحايا الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على مراكز توزيع “المساعدات” في منطقتي رفح وجسر وادي غزة قد ارتفع إلى 52 شهيداً و340 مصاباً، وذلك منذ بدء تشغيل هذه المراكز في 27 مايو 2025.
وتوضح الوزارة أن الإصابات تتضمن حالات بتر ونزيف حاد نتيجة استخدام الاحتلال لأسلحة فتاكة، من بينها الرصاص المتفجر وقذائف الطائرات المسيرة، ما يثير شكوكا قوية حول نوايا الاحتلال في تحويل نقاط الإغاثة إلى ميادين موت جماعي.
ساحة المساعدات: منقذة أم مميتة؟
ما يسمى بـ”مراكز توزيع المساعدات” التي أنشأها الاحتلال بالتنسيق مع بعض المنظمات الدولية، رُوّج لها كخطوة إنسانية لتخفيف المجاعة التي تضرب سكان قطاع غزة المحاصرين منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023. لكن الواقع الميداني يناقض تماماً هذه الصورة.
فمنذ افتتاح هذه النقاط، تُسجل يومياً حوادث إطلاق نار مباشر على المدنيين الذين يصطفون لأكثر من عشر ساعات، أملاً في الحصول على كيس طحين أو وجبة معلبة. وبينما يصر الاحتلال على تسميتها بـ”ممرات إنسانية”، يراها أهالي غزة أفخاخاً مميتة تنتهي إما بالخذلان أو بالمجزرة.
تمثل هذه المجازر امتداداً لحرب التجويع التي يشنّها الاحتلال ضد سكان القطاع، والتي دخلت يومها الـ93، حيث يمنع الاحتلال دخول الغذاء والدواء والوقود إلا بكميات شحيحة ومهينة، لا تفي بالحد الأدنى من احتياجات 2.3 مليون إنسان يعيشون في ظروف كارثية.
وبحسب تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، فإن أكثر من 70% من سكان القطاع يواجهون خطر المجاعة الفعلية، في حين تم تسجيل عشرات حالات الوفاة جراء سوء التغذية، خاصة في أوساط الأطفال وكبار السن.
استخدام المساعدات كسلاح
تشير العديد من الشهادات الميدانية إلى أن قوات الاحتلال تتعمّد قصف نقاط التجمّع بعد أن تتكدس فيها أعداد كبيرة من المواطنين، في استغلال صارخ لحاجات الناس الملحّة للغذاء.
وقد وثّقت مؤسسات حقوقية حالات أُطلقت فيها النار على السكان بعد لحظات من إسقاط المساعدات جواً أو الإعلان عن موقعها.
وفي السياق ذاته، وصف مدير مكتب منظمة “أطباء بلا حدود” في غزة، الوضع بأنه “جريمة مركّبة”، قائلاً: “يتم حرمان الناس من الطعام، ثم يُجبرون على التجمّع في أماكن مكشوفة للحصول على مساعدات شحيحة، ليُستهدفوا لاحقاً بالقصف أو الرصاص. هذه ليست عملية إغاثة، بل عقوبة جماعية تنفّذ بأبشع الطرق”.
صمت دولي وتواطؤ أممي
رغم فداحة الجرائم، تواصل المؤسسات الدولية صمتها المريب، دون أي خطوات فعالة لوقف الانتهاكات أو محاسبة الاحتلال.
ويذهب مراقبون إلى القول إن بعض الوكالات الإغاثية الدولية باتت تشكّل غطاءً غير مباشر لجرائم الاحتلال، من خلال استمرارها في العمل ضمن الآليات التي يفرضها، بما في ذلك التسليم بوجود الممرات الخاضعة لإشراف جيش الاحتلال.
وفي هذا الإطار، قالت الناشطة البريطانية في مجال الإغاثة، جولي نورث: “يُستخدم شعار الإغاثة كوسيلة لخداع الرأي العام العالمي، في حين أن المساعدات تُسلّم ضمن شروط الإذلال وتُوزع تحت التهديد. لا معنى لأي عمل إنساني إذا كان الثمن هو دماء المدنيين”.
رفح: مدينة تُذبح مرتين
مدينة رفح التي كانت تأوي أكثر من مليون نازح، تعرضت في الأسابيع الماضية لعمليات اجتياح وتهجير قسري، أُجبر خلالها معظم السكان على النزوح مجدداً شمالاً نحو مناطق مدمرة بالكامل. واليوم، بعد أن حُرمت المدينة من أدنى مقومات الحياة، تُحوّل إلى ساحة جديدة للقتل عبر “مراكز المساعدات”.
ويؤكد شهود عيان أن الجيش الإسرائيلي يُطلق النار على الناس تحت ذريعة “منع الفوضى” أو “تفريق التجمعات”، بينما تكشف الصور الجوية أن القوات تتعمد الانتشار حول المراكز ثم تفتح النيران بمجرد ازدحام الحشود.
مسؤولية المجتمع الدولي
مع تكرار المجازر، يتصاعد الضغط الشعبي والدولي لفتح تحقيقات عاجلة حول استخدام الاحتلال للمساعدات كسلاح حرب.
ويطالب حقوقيون بإحالة الجرائم إلى المحكمة الجنائية الدولية، باعتبار أن استهداف المدنيين في سياق مجاعة مصطنعة، يرقى إلى جريمة إبادة جماعية.
وتبقى الأسئلة معلقة:
إلى متى سيبقى الجوع سلاحاً مشروعا في يد الاحتلال؟
ولماذا تصمت الأمم المتحدة أمام جرائم ترتكب باسم الإغاثة؟
وهل يمكن اعتبار من يُسلمون المساعدات تحت حماية الجيش الإسرائيلي، أطرافاً شريكة في الجرائم؟.




