فشلت خطة إسرائيلية جديدة تهدف إلى تنظيم توزيع المساعدات في غزة في تحقيق أي من أهدافها، وسط فوضى ميدانية متزايدة، وانتقادات دولية متصاعدة، ومخاوف من أن تكون هذه الخطة غطاء لسياسات تهجير قسري تحت ستار الإغاثة.
الخطة التي يشرف عليها الجيش الإسرائيلي وتنفذها مؤسسة خاصة تُدعى “مؤسسة غزة الإنسانية” (GHF)، جاءت بعد أشهر من التحذيرات الدولية من مجاعة جماعية وشيكة في القطاع المحاصر. إلا أن ما بدا أنه محاولة لتقديم “حل إنساني” انقلب إلى نظام مليء بالمخاطر، وغير كافٍ على الإطلاق، ولا يحترم المبادئ الإنسانية الأساسية.
نقاط توزيع محدودة.. وحصار مشدد
الخطة الإسرائيلية أنشأت أربع نقاط توزيع فقط – اثنتان منها بالكاد تعمل – لتقديم المساعدات لما يقرب من مليوني فلسطيني في القطاع. وبالمقارنة، كانت غزة تتلقى قبل الحرب نحو 500 شاحنة مساعدات يوميًا، توزعها وكالات دولية على مئات المواقع المنتشرة في أرجاء القطاع. أما الآن، فعدد الشاحنات لا يتجاوز 100 يوميًا، ما يفاقم الأزمة بدلًا من معالجتها.
علاوة على ذلك، تتركز هذه النقاط في جنوب القطاع، ما يجبر آلاف الفلسطينيين في الشمال على قطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام وسط ظروف أمنية قاسية، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الخطة ترمي ضمنًا إلى دفع السكان نحو مزيد من النزوح الداخلي.
عسكرة المساعدات.. وخسائر بشرية
الأخطر أن الخطة تُعسكر عملية الإغاثة بالكامل، إذ تُحاط نقاط التوزيع بالدبابات الإسرائيلية، وتُدار من قبل شركات أمنية أميركية خاصة، وتُفرض إجراءات أمنية مشددة تشمل نقاط تفتيش وفحص هويات. يوم الثلاثاء الماضي، تحولت إحدى عمليات التوزيع إلى مأساة: قتل فلسطيني وأصيب عشرات آخرون بالرصاص بعدما أطلقت القوات النار لتفريق الحشود.
هذه الأحداث تكرّس مناخًا من الخوف والقلق حول كل ما يفترض أنه “مساعدات إنسانية”، وتطرح تساؤلات جوهرية حول الهدف الحقيقي من الخطة.
استقالات مبكرة.. وانهيار مبادئ العمل الإنساني
استقال المدير التنفيذي لمؤسسة GHF، جيك وود، بعد أيام من بدء تنفيذ الخطة، معلنًا أن المشروع يتعارض مع المبادئ الأساسية للعمل الإنساني، لا سيما الحياد والاستقلالية. تبعته استقالة مسؤول العمليات في المؤسسة، ما يعكس وجود انقسامات عميقة داخل المشروع نفسه، وغياب أي إجماع على جدواه أو أخلاقيته.
ضغط دولي متزايد
في ظل تدهور الأوضاع على الأرض، تتزايد الانتقادات الدولية. الاتحاد الأوروبي، بريطانيا، وحتى الإدارة الأميركية، وجهت رسائل واضحة تطالب بوقف الحرب والسماح بتدفق المساعدات بشكل كامل ومن دون شروط. الرأي العام داخل إسرائيل نفسه بدأ يتململ من استمرار العمليات العسكرية، إلا أن القيادة الإسرائيلية تواصل الرهان على إدارة الأزمة بدل حلّها.
المساعدات الحقيقية لا تمر عبر البنادق
خطة إسرائيل لإيصال المساعدات فشلت لأنها لم تُصمم لتلبية احتياجات الناس، بل لتتماهى مع أهداف أمنية وسياسية ضيقة. طالما أن المساعدات تمر عبر فوهات البنادق وتحت إشراف القوات المحتلة، فإنها لن تكون كافية، ولا آمنة، ولا قابلة للاستمرار.
إن وقف القصف، والتوصل إلى هدنة، والسماح للفلسطينيين بإدارة شؤونهم بأنفسهم، هي الشروط الضرورية الوحيدة لاستئناف تدفق المساعدات بشكل فعلي وإنساني. أي خطة لا تضع هذه المبادئ في صلبها ستظل مجرّد أداة لفرض الأمر الواقع، لا وسيلة لرفع المعاناة.





