في تحذير صادم جديد من عمق الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، اتهم البروفيسور أليكس دي وال، أحد أبرز خبراء المجاعة في العالم، إسرائيل باستخدام التجويع كسلاح إبادة جماعية ضد سكان القطاع، محذرًا من أن الأطفال هم الأكثر عرضة للموت الوشيك نتيجة هذا الحصار المحكم.
وقال دي وال، المدير التنفيذي لمؤسسة السلام العالمي في جامعة تافتس ومؤلف كتاب المجاعة الجماعية: تاريخ ومستقبل المجاعة، إن ما يحدث في غزة “يمثل حالة نادرة وفريدة من نوعها في التاريخ الحديث، من حيث مستوى الدقة والسيطرة التي تمارسها إسرائيل على وصول الغذاء والمساعدات”، مؤكدًا أن “هذا النوع من التجويع المُصمّم لم يُسجل مثيل له في العصر الحديث”.
مجاعة خفية… وأطفال في خطر فوري
تحدث دي وال خلال برنامج مباشر على موقع Middle East Eye، حيث أوضح أن الموت جوعًا للأطفال أسرع بكثير من البالغين.
“الجسد الصغير للطفل يذبل بسرعة مذهلة، خاصة حين يتزامن الجوع مع أمراض معدية كالإسهال أو الالتهابات المعوية، ما يؤدي إلى الجفاف وانهيار جسدي كامل”.
وأضاف أن ما يُنشر من أرقام وفيات “ربما أقل بكثير من العدد الحقيقي”، موضحًا أن الوفاة الناتجة عن الجوع لا تحدث فقط بسبب نقص الطعام، بل بسبب التأثير التراكمي بين سوء التغذية والأمراض، وانهيار الجهاز المناعي للأطفال.
وحتى الآن، وثّقت وزارة الصحة الفلسطينية وفاة 101 فلسطيني، بينهم 80 طفلًا، بسبب الجوع وسوء التغذية منذ مارس/آذار الماضي، في حين تؤكد تقارير ميدانية أن أكثر من ألف فلسطيني قتلوا أثناء محاولتهم الحصول على مساعدات غذائية من مواقع تديرها مؤسسة “غزة الإنسانية”، المدعومة من الولايات المتحدة والتي تعمل تحت إشراف عسكري إسرائيلي.
إسرائيل تتحكم بالمجاعة بدقة “مذهلة”
أشار دي وال إلى المفارقة الكارثية في أن المجاعة في غزة لا تحدث في منطقة نائية، بل “على بعد أقل من ساعة بالسيارة من واحدة من أكثر البنى التحتية اللوجستية تقدمًا في العالم”.
“إذا قررت إسرائيل، يمكن لكل طفل في غزة أن يحصل على وجبة إفطار غدًا. إنها مسألة قرار سياسي.”
وشدد على أن “التحكم الكامل” في تدفق الإمدادات يجعل من إسرائيل مسؤولة مباشرة عن الكارثة، بعكس دول أخرى شهدت مجاعات ناتجة عن الفوضى أو الحروب الأهلية غير المسيطر عليها.
حصار المساعدات والأمم المتحدة عاجزة
أكدت وكالة الأونروا أن لديها 6,000 شاحنة مساعدات عالقة في مصر والأردن منذ أكثر من أربعة أشهر، لم يُسمح بدخولها إلى القطاع. وصرحت جوليت توما، مديرة الاتصالات في الوكالة، أن بعض موظفي الأونروا “فقدوا وعيهم أثناء عملهم بسبب الجوع”، بينما تتلقى الوكالة “رسائل استغاثة يومية” من موظفين وأهالٍ يطلبون طعامًا لأطفالهم.
وكانت المنظمات الإغاثية قادرة سابقًا على إدخال 600 شاحنة يوميًا إلى غزة، وهو الحد الأدنى المطلوب لتجنب المجاعة، بحسب رئيس الأونروا فيليب لازاريني.
القضاء الدولي يتدخل… وإسرائيل تتجاهل
أصدرت محكمة العدل الدولية في 28 مارس/آذار 2024 أمرًا ملزمًا لإسرائيل بفتح المجال أمام المساعدات، باعتباره جزءًا من التزامها بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948. ورغم أن الحكم كان بالإجماع، بما في ذلك تصويت من القاضي الإسرائيلي أهارون باراك، تجاهلت تل أبيب هذا القرار.
وتواجه إسرائيل حاليًا قضية إبادة جماعية أمام المحكمة، بينما أصدر المحكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، بتهم تشمل استخدام الجوع كسلاح حرب.
التجويع كأداة إذلال جماعي
شدد دي وال على أن الإبادة لا تعني فقط الموت الجماعي، بل أيضًا الصدمة الاجتماعية والعار والإذلال الجماعي، حيث يُجبر الناس على البحث عن الطعام في مكبات القمامة، ويتحول الجوع إلى سلاح لتدمير النسيج الإنساني والاجتماعي لشعب بأكمله.
“إنه ليس مجرد جوع… إنها تجربة تحويل البشر إلى كائنات يائسة، وتجريدهم من الكرامة. هذه هي الإبادة الجماعية الحديثة، بكل وضوحها ووحشيتها.”





