كشف تحقيق نشره موقع “ميدل إيست آي” البريطاني أن أكبر صندوق تقاعد للقطاع العام في المملكة المتحدة اضطر إلى بيع حيازاته من السندات الحكومية الإسرائيلية سراً، بعد أشهر من الضغوط المتصاعدة التي قادها ناشطون مؤيدون لفلسطين احتجاجاً على استخدام أموال المتقاعدين البريطانيين في تمويل حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة.
وبحسب التحقيق، قامت شراكة “بوردر تو كوست” لإدارة المعاشات التقاعدية، التي تدير أصولاً تقدر بنحو 120 مليار جنيه إسترليني لصالح نحو مليوني موظف في الحكومة المحلية البريطانية، بشراء سندات حكومية إسرائيلية بقيمة 29.2 مليون دولار خلال عامي 2024 و2025، قبل أن تتخلص منها بهدوء بعد تصاعد الضغوط الشعبية والحقوقية.
ويعد القرار لافتاً لأن مؤسسات مالية بريطانية قليلة فقط أقدمت على سحب استثمارات مرتبطة بإسرائيل رغم الاتهامات المتزايدة الموجهة لتل أبيب بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات واسعة في غزة.
وأوضح التحقيق أن عمليات شراء السندات تمت عبر شركة “بيمكو” الأمريكية العملاقة لإدارة الأصول، والتي تعد واحدة من أكبر شركات إدارة السندات في العالم والمملوكة لمجموعة “أليانز” الألمانية.
وقد اشترت “بيمكو” سندات إسرائيلية بقيمة 15.1 مليون دولار لصالح “بوردر تو كوست” في سبتمبر/أيلول 2025، ثم اشترت دفعة أخرى بقيمة 14.1 مليون دولار في مارس/آذار 2025، رغم تصاعد الاتهامات الدولية لإسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة.
وأثار الكشف عن هذه الاستثمارات غضباً واسعاً بين موظفي الحكومة المحلية والمتقاعدين في عدة مناطق بريطانية، خاصة في جنوب يوركشاير، حيث تصاعدت الحملات المطالبة بسحب الاستثمارات المرتبطة بإسرائيل.
وقالت سو أوينز، من حملة “South Yorkshire Pensions Divest for Palestine”، إن الناشطين شعروا “بالصدمة والرعب” عندما اكتشفوا أن أموال المتقاعدين تُستخدم في شراء سندات تساعد بشكل مباشر في تمويل الحرب الإسرائيلية على غزة. وأضافت أن الصدمة تضاعفت بعد معرفة أن عمليات الشراء تمت خلال استمرار الحرب والاتهامات المتعلقة بالإبادة الجماعية.
وفي يونيو/حزيران 2025، قدم ناشطون عريضة تضم 7500 توقيع خلال اجتماع هيئة معاشات جنوب يوركشاير، مطالبين بسحب الاستثمارات الإسرائيلية، بينما نظم متظاهرون احتجاجات صاخبة خارج مقر الهيئة في بارنسلي.
كما صعّد مجلس مدينة شيفيلد الضغوط في سبتمبر/أيلول عندما أقر بالإجماع اقتراحاً بعنوان “ليس باسمنا”، يدعو إلى اتخاذ خطوات ضد الاستثمارات المرتبطة بإسرائيل.
ويكشف التحقيق عن حالة ارتباك داخل المؤسسات المالية البريطانية بشأن كيفية التعامل مع الاستثمارات الإسرائيلية في ظل غياب موقف حكومي واضح يشابه العقوبات الواسعة التي فرضتها لندن على روسيا بعد غزو أوكرانيا.
وخلال اجتماعات داخلية، أقر مسؤولون في “بوردر تو كوست” بأنهم يشعرون بالقلق من “الأضرار التي تلحق بالسمعة”، بينما عبّر مسؤولون في هيئات التقاعد المحلية عن إحباطهم من غياب الشفافية والتأخير في تقديم التفسيرات.
لكن رغم الضغوط، لم تعلن المؤسسة رسمياً أسباب بيع السندات الإسرائيلية، واكتفت بالإشارة إلى أنها “تراقب تأثير الصراع الإسرائيلي الفلسطيني على المحافظ الاستثمارية بما يتماشى مع اعتبارات الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية”.
ويرى مراقبون أن هذا التبرير يكشف محاولة المؤسسات المالية الغربية تجنب الاعتراف العلني بأن الضغوط المؤيدة لفلسطين بدأت تؤثر فعلياً في قرارات الاستثمار الكبرى، خوفاً من الدخول في صدام سياسي أو إعلامي مع جماعات الضغط الداعمة لإسرائيل.
كما أظهر التحقيق أن المؤسسات البريطانية ما تزال تتعامل بازدواجية واضحة بين الملفين الروسي والإسرائيلي. ففي حين سارعت صناديق ومؤسسات عديدة إلى الانسحاب من الأصول الروسية بعد حرب أوكرانيا، ما تزال الحكومة البريطانية ترفض إصدار توجيهات مماثلة تتعلق بالاستثمارات المرتبطة بإسرائيل رغم الاتهامات الدولية المتزايدة بشأن الانتهاكات في غزة.
وأكدت وزيرة الحكم المحلي البريطانية أليسون ماكغفرن في رسالة رسمية أن قرارات المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات “من اختصاص الحكومة المركزية”، معتبرة أنه “ليس من المناسب للسلطات المحلية تبني سياسات تتجاوز أو تختلف عن سياسة الحكومة البريطانية الخارجية”.
لكنها تركت في الوقت نفسه باباً مفتوحاً أمام صناديق التقاعد لتعديل استثماراتها لأسباب مالية أو مرتبطة بالمخاطر، وهو ما يراه ناشطون ثغرة يمكن استخدامها للضغط على مزيد من المؤسسات لسحب استثماراتها من إسرائيل.
ويأتي قرار “بوردر تو كوست” بالتخارج من السندات الإسرائيلية في ظل تصاعد الضغوط الأوروبية على المؤسسات المرتبطة بإسرائيل. فقد سحب صندوق الثروة السيادي النرويجي استثماراته من شركات إسرائيلية عدة، بينما اتخذت مؤسسات مالية في أيرلندا والدنمارك خطوات مشابهة خلال الأشهر الماضية.
ورغم بيع السندات، كشف التحقيق أن “بوردر تو كوست” ما تزال تستثمر في شركات مدرجة ضمن قاعدة بيانات الأمم المتحدة للشركات العاملة في المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، من بينها “Airbnb” و“Booking.com” و“Bank Leumi”، ما يعني أن حملات الضغط مرشحة للاستمرار خلال المرحلة المقبلة.





