في تطور يعكس تصاعد العزلة الدولية لإسرائيل على خلفية حربها المستمرة في قطاع غزة، أعلنت الحكومة النرويجية يوم الثلاثاء أنها ستُجري مراجعة شاملة لاستثمارات صندوق الثروة السيادي التابع لها، والذي يُعد الأكبر في العالم، في شركات إسرائيلية. وجاءت هذه الخطوة إثر كشف صحفي صادم عن استثمار الصندوق في شركة تزود سلاح الجو الإسرائيلي بمكونات للطائرات الحربية المستخدمة في قصف غزة.
تحقيق صحفي يشعل جدلًا واسعًا
القرار النرويجي جاء بعد أن نشرت صحيفة “أفتنبوستن” اليومية الرائدة تحقيقًا مفصلًا يوم الاثنين، كشفت فيه أن صندوق الثروة السيادي النرويجي، البالغة قيمته 1.9 تريليون دولار، يمتلك أسهماً في شركة “محركات بيت شيمش” الإسرائيلية، التي تصنع أجزاء من محركات الطائرات المقاتلة الإسرائيلية، وتقدم خدمات مباشرة للجيش الإسرائيلي في عدوانه على غزة.
وقد تسبب هذا الكشف في غضب شعبي واسع في النرويج، حيث خرجت دعوات لمساءلة الحكومة وسحب الاستثمارات فورًا، وسط تصاعد الضغوط من قبل المنظمات المناصرة لفلسطين، والتي كانت تطالب منذ أشهر بوقف أي دعم غير مباشر للآلة الحربية الإسرائيلية.
تصريحات رسمية: “الحرب على غزة تتعارض مع القانون الدولي”
في بيان صادر عنه، قال وزير المالية النرويجي ينس ستولتنبرغ، الأمين العام السابق لحلف الناتو: “الحرب في غزة تتعارض مع القانون الدولي وتتسبب في معاناة رهيبة. ومن المفهوم أن تثار تساؤلات بشأن استثمارات الصندوق في شركة مثل بيت شيمش.”
وأضاف أن بنك النرويج ومجلس الأخلاقيات التابع له سيتوليان تقييم مدى التزام الشركات المستثمَر فيها بالمعايير الأخلاقية الدولية، مشددًا على أن الصندوق “ليس من المفترض أن يستثمر في شركات تمكّن الدول من ارتكاب انتهاكات للقانون الدولي.”
وقال ستولتنبرغ إنه طلب إجراء مراجعة شاملة جديدة لكل استثمارات الصندوق في الشركات الإسرائيلية، مشيرًا إلى تدهور الأوضاع في غزة والضفة الغربية كمبرر عاجل لهذه المراجعة.
موقف حكومي متغير تحت ضغط شعبي
من جانبه، وصف رئيس الوزراء النرويجي يوناس جار ستور استثمار الصندوق في الشركة الإسرائيلية بأنه “مثير للقلق”، وأكد أن “قراءة التفاصيل تجعلني أشعر بالانزعاج”.
ويعكس هذا التصريح تحولًا في موقف الحكومة النرويجية، التي رفضت في يونيو الماضي اقتراحًا برلمانيًا لسحب الاستثمارات من جميع الشركات العسكرية الإسرائيلية العاملة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
لكن تصاعد الضغوط من الشارع النرويجي، وافتضاح استثمار مباشر في شركات تُسهّل العمليات العسكرية ضد المدنيين، دفع الحكومة إلى التحرك.
هيئة الأخلاقيات تطالب بسحب استثمارات إضافية
وقبل هذا التحقيق الصحفي، كانت هيئة مراقبة الأخلاقيات التابعة للصندوق قد أوصت بسحب الاستثمارات من ثلاث شركات إسرائيلية:
Paz Retail and Energy: بسبب تشغيلها لبنية تحتية توزّع الوقود في المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية.
Bezeq للاتصالات: لتقديمها خدمات الاتصالات للمستوطنات.
شركات صناعية عسكرية لم تُعلن أسماؤها بعد، يُعتقد أنها مرتبطة مباشرة بإنتاج أسلحة مستخدمة في غزة.
عزل اقتصادي تدريجي لإسرائيل
يمتلك صندوق الثروة السيادي النرويجي نحو 1.5٪ من إجمالي الأسهم المدرجة عالميًا، ويُعدّ من أبرز الأدوات الاقتصادية ذات التأثير العالمي. وأي انسحاب منه من أسواق دولة ما يمثل إدانة غير مباشرة لسياستها أو سجلها الحقوقي.
ويقول مراقبون إن قرار النرويج – وإن لم يُفضِ بعد إلى سحب رسمي للاستثمارات – يمثل أقوى إشارة حتى الآن على أن إسرائيل باتت تُنظر إليها كدولة خارجة عن الإجماع الدولي، خصوصًا في سياق التزامها بالقانون الدولي وحقوق الإنسان.
إسرائيل تفقد حلفاءها.. تدريجيًا
في الأشهر الأخيرة، تصاعدت حملات المقاطعة والمساءلة الدولية لإسرائيل، على خلفية الحرب المدمرة التي تشنّها على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، والتي أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من المدنيين، بينهم آلاف الأطفال.
منظمات حقوقية، مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، وثّقت جرائم محتملة ضد الإنسانية، بما في ذلك الاستهداف الممنهج للبنى التحتية المدنية، واستخدام التجويع كسلاح.
وفي هذا السياق، باتت عدة دول أوروبية وأمريكية تحت ضغط شعبي وسياسي لتقليص التعاون مع إسرائيل، سواء في المجال العسكري أو الاقتصادي.





