تمنع السلطات الإسرائيلية أفراد عائلات أسرى فلسطينيين تحرروا من سجون الاحتلال بموجب صفقات التبادل الأخيرة، من زيارتهم بما يمثل عقوبة مضاعفة تطال الأمهات والزوجات والأبناء.
وبينما كانت انتصار بيوض، البالغة من العمر 78 عامًا، تنتظر اللحظة التي تعانق فيها ابنها حابس بعد 24 عامًا قضاها في السجون الإسرائيلية، تحوّل حلمها إلى واقع أكثر قسوة مما عاشته طوال سنوات سجنه.
فبعد إدراجه على قوائم المُفرَج عنهم في إطار اتفاق تبادل الأسرى الأخير، فوجئت العائلة بقرار آخر لا يقل قسوة عن الاعتقال نفسه بمنع جميع أفراد الأسرة من السفر لرؤيته، تاركينه وحيدًا في مصر بعد ترحيله القسري.
وقصة عائلة بيوض جزء من سياسة باتت عشرات العائلات الفلسطينية تعيش آثارها منذ أشهر، إذ قامت إسرائيل بترحيل 383 أسيرًا فلسطينيًا إلى مصر وتركيا خلال العام 2025، ثم فرضت قيودًا مشددة على عائلاتهم، تمنعهم من السفر واللقاء بهم.
وبحسب جمعية الأسرى الفلسطينيين، فإن 10% فقط من العائلات تمكنت من الوصول إلى أقاربها بعد الإفراج.
ويقول جمال بيوض، شقيق الأسير المُرحَّل حابس: “لم يُمنَع أي شخص من عائلتنا من السفر طوال حياتنا… إلى أن خرج حابس من السجن. ما يحدث انتقام واضح من الأسرى وعائلاتهم.”
وبعد 24 عامًا من الاعتقال، كان حابس يأمل أن تبدأ حياته من جديد محاطًا بعائلته، لكن السلطات الإسرائيلية قررت منعه من العودة إلى الضفة الغربية، ومنعت عائلته في المقابل من مغادرة البلاد.
وتقول والدته عبر أقارب الأسرى الآخرين في مصر: “عانقوه نيابة عني.”
وتحاول العائلة التواصل مع حابس عبر الإنترنت، لكن كل اتصال يتحوّل إلى لحظة مؤلمة، إذ ينفجر حابس بالبكاء كلما سأل والدته: “ماذا طبختِ اليوم؟”.
سياسة ممنهجة… وقرار بلا أساس قانوني
وصفت الجمعية الفلسطينية للأسرى ما يجري بأنه إجراء عقابي بحت، مشيرة إلى أنها توجّهت لجهات دولية لوقف الحظر دون جدوى. فالكثير من العائلات لم تواجه أي قيود سابقة على السفر، ما يجعل من “الدواعي الأمنية” التي تذكرها إسرائيل تبريرًا فارغًا.
يقول عبد الله الزغاري، المتحدث باسم الجمعية: “لا يوجد قانون يمنع أسيرًا مُحررًا من رؤية عائلته. ما يحدث عقاب سياسي وانتقامي.”
ومن بين الممنوعين من السفر والدة الأسير باسم الخندقجي من نابلس، الذي قضى 21 عامًا في السجون قبل الإفراج عنه.
العائلة قررت مغادرة الضفة فورًا، لكن الجيش الإسرائيلي أوقفهم عند المعبر، ولم يسمح إلا لشقيقة واحدة بالمرور لأنها تحمل الجنسية الأردنية.
وتقول أخته أماني: “لا يوجد منطق في منع أم من رؤية ابنها. حلمت بهذه اللحظة لعقود، والآن ترى وجهه فقط عبر الهاتف.”
وكانت الأم تخبّئ سر إصابتها بالسرطان لسنوات حتى لا تقلق ابنها داخل السجن، وكانت تنوي إخباره بعد خروجه، لكن إسرائيل منعتها من الوصول إليه.
والحالة الأخرى التي أثارت غضبًا واسعًا هي وضع الأسير المحرر نائل البرغوثي، الذي أمضى 45 عامًا في الأسر، ليصبح أطول سجين سياسي في العالم. أفرج عنه في يناير ورُحّل إلى مصر ومنها إلى تركيا، لكن زوجته إيمان نافع وأسرته مُنعوا جميعًا من السفر.
تقول زوجته: “حُرم من وطنه بترحيله… والآن يُحرم من عائلته أيضاً. إنه يعيش وحيدًا في عمر الـ68.”
وهي تتابع شؤون زوجها عبر مكالمات الفيديو: يطبخان معًا، يشاهدان شروق الشمس في كوبر وإسطنبول، ويتابعان الدواء، لكنّها تقول: “لا شيء يعوّض الخوف. أي شيء قد يحدث وهو وحده.”
حالات صحية خطيرة دون رعاية من العائلة
قصة أخرى لا تقل قسوة هي حالة الأسير عبد الرحمن صلاح (72 عامًا) من جنين، الذي أفرج عنه بعد تلف دماغي نتيجة لضرب مبرح في سجن الرملة.
فقد نُقل مباشرة إلى مستشفيات مصر، لكنه يعيش اليوم في شقة صغيرة في القاهرة تحت إشراف زملائه الأسرى المحررين، بعدما رفضت إسرائيل السماح لأي من أبنائه السبعة أو زوجته بالسفر إليه.
تقول ابنته رشا: “أكبر مخاوفنا أن يموت في الغربة دون أن يمسك أحد منا بيده… حالته الصحية خطيرة جدًا.”
ووفق منظمات حقوقية، فإن ما تقوم به إسرائيل يجمع بين جريمة الترحيل القسري التي يحظرها القانون الدولي، وعقوبة جماعية تمتد لتشمل العائلات، عبر منعهم من السفر دون وجود أي أساس قانوني أو قضائي.
ورغم عشرات المناشدات الدولية، تواصل إسرائيل تجاهل هذه النداءات، بينما تبقى العائلات الفلسطينية ممزقة بين وطن محتل وأبناء يعيشون المنفى المفروض.
تقول إيمان نافع، زوجة البرغوثي، بكلمات تلخص مشاعر جميع هذه العائلات: “سأستمر في المطالبة بعودته إلى كوبر… لا يوجد أي مبرر لترحيله ولا لحرماني من السفر إليه.”





