في تحول لافت وغير مسبوق منذ عقد من الزمن، شهدت مصر ليلة الخميس 25 يوليو 2025 حادثة اقتحام مركز أمني في ضاحية المعصرة جنوبي القاهرة، قادها شبّان غاضبون على خلفية تواطؤ السلطات المصرية في إغلاق معبر رفح، وحرمان سكان غزة من المساعدات الإنسانية، وسط مجاعة كارثية تضرب القطاع.
“الحديد 17”: إعلان تمرد رمزي
نفّذت مجموعة أطلقت على نفسها اسم “الحديد 17” عملية اقتحام لمقر أمن الدولة داخل قسم شرطة المعصرة في منطقة حلوان، حيث احتجزت عدداً من الضباط لساعات. وتداول ناشطون على تطبيق تيليغرام مشاهد فيديو توثق الشبان وهم داخل المكاتب الأمنية، بينما ينددون بسياسات القاهرة تجاه قطاع غزة، ويطالبون بفتح معبر رفح فوراً.
ووفق ما بثته قناة “طوفان الأمة” على تيليغرام، التي تُعد منصة أساسية للمجموعة، فإن العملية استغلت ثغرة أمنية أثناء وقت صلاة الجمعة، حيث تمكن عناصر المجموعة من الدخول إلى مقر الأمن بذريعة إجراءات “المراقبة الأمنية” المعتادة المفروضة على المعتقلين السابقين.
وأظهر أحد المقاطع ضابطاً أمنياً محتجزاً وهو يقول: “مستحيل”، رداً على مطالب الشبان بفتح معبر رفح. وهو تصريح أثار موجة من التعليقات الغاضبة على منصات التواصل، اعتُبر دليلاً على غياب الإرادة السياسية لدى النظام المصري لإنهاء حصار غزة.
وثائق مسرّبة تكشف نظام الرقابة
في تسجيلات مصورة ومرفقات نُشرت لاحقاً على نفس القناة، كشفت المجموعة عن وثائق توضح قوائم “المراقبة الأمنية” لأشخاص صُنّفوا كإخوان مسلمين أو متعاطفين معهم. من بين الأسماء التي تم التحقق من صحتها عبر منصة “FactCheckar” المستقلة: أحمد نادي حداد درويش وفتحي رجب حسن، وهما من المتهمين في قضية “كتائب حلوان”، وعبد الرحمن عبد الشافي، أحد المختفين قسرياً منذ 2024.
هذه الوثائق سلطت الضوء على ما وصفه ناشطون بأنه “نظام تحكم بوليسي”، يُستخدم لقمع كل من يُظهر تعاطفاً مع غزة أو ينتقد السياسة الرسمية.
رد رسمي باهت واتهام للإخوان
وزارة الداخلية المصرية سارعت إلى نفي الواقعة، ووصفت الفيديوهات بأنها “مفبركة” و”جزء من حملة تضليل تقودها جماعة الإخوان المسلمين”. غير أن هذا النفي لم يتطرق إلى الوثائق المسربة أو يتناول بالتفصيل كيفية حصول الاقتحام.
واعتبر مراقبون أن ردة فعل الوزارة تعكس ارتباكاً رسمياً في التعاطي مع الحادثة، خاصةً في ظل انتشار التسجيلات على نطاق واسع، وتضامن قطاع كبير من الرأي العام مع الرسائل التي بثّها منفذو الاقتحام.
بيان صوتي يعبّر عن غضب جيل جديد
قبل ساعات من اختفاء قناة “طوفان الأمة”، بثّت المجموعة بياناً صوتياً قال فيه شابان يُعتقد أنهما أحمد عبد الوهاب ومحسن مصطفى إنهما ليسا تابعين لأي تنظيم سياسي، بل يتحركان باسم “روح العدل والكرامة المصرية”، مستحضرَين رموزاً تاريخية مثل عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص.
دعا البيان إلى إيقاف “الإبادة الجماعية في غزة” ووقف “قمع المصريين”، وطالب الشعب بالتحرك لاستعادة السيادة الوطنية ورفض التبعية لواشنطن أو تل أبيب.
المشهد يتسع.. من القاهرة إلى أوروبا
حادثة اقتحام قسم المعصرة لم تكن معزولة، بل جاءت في سياق حراك دولي متصاعد ضد موقف مصر من حصار غزة. ففي الأسابيع الماضية، أطلق الناشط المصري أنس حبيب حملة “أغلقوا السفارات” التي بدأت من هولندا وامتدت إلى عدة عواصم أوروبية، حيث أغلق متضامنون أبواب السفارات المصرية رمزيًا احتجاجًا على دور القاهرة في إغلاق المعبر الحدودي مع غزة.
وفي بيروت، أغلقت قوات الأمن اللبنانية الطرق المؤدية إلى السفارة المصرية بعد احتجاجات مماثلة، كما شهدت مدن مثل لندن وبرلين وباريس وقفات احتجاجية تحت شعار #مصر_تحاصر_غزة، الذي تصدر قوائم الأكثر تداولًا في العالم العربي.
هل وصلت الرسالة؟
رغم محاولة النظام احتواء تداعيات الحادثة عبر التعتيم الإعلامي، إلا أن الانفجار الشعبي المفاجئ في المعصرة أثار قلق المؤسسة الأمنية، خصوصاً أن منفذي العملية لم يحملوا أسلحة حقيقية، بل استخدموا مسدسات فارغة بهدف إيصال رسالة رمزية قوية.
يُشار إلى أن الاجتماع الطارئ الذي جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بوزير داخليته محمود توفيق صباح السبت لم يتضمن، في التصريحات الرسمية، أي ذكر للحادثة، ما زاد من حالة الغموض بشأن مصير منفذي الاقتحام، ومآلات الموقف الرسمي.
بين يناير وغزة.. رسائل المعصرة
ترى أصوات شبابية أن ما حدث يُعيد إلى الأذهان مشهد ثورة 25 يناير، حين كان الغضب على الظلم المحلي متشابكًا مع القضايا الإقليمية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
ربما لم تكن عملية “الحديد 17” فعلًا مسلحًا تقليديًا، لكنها كانت إشارة قوية إلى أن الجيل الجديد، الذي نشأ على صور القصف والجوع في غزة، لم يعد يثق بالرواية الرسمية، ويبحث عن وسائل جديدة لإسماع صوته.
وفي النهاية، لا يبدو أن اقتحام المعصرة سيكون آخر مشاهد الغضب المصري تجاه حصار غزة، بل ربما يكون بداية لمرحلة جديدة من المواجهة السياسية والاجتماعية داخل مصر.





