مرّ شهر على دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، لكن الحياة في قطاع غزة لم تعد إلى سابق عهدها؛ بل تسير في اتجاه معاكس. بالنسبة للعديد من العائلات النازحة داخل القطاع، الهدنة لم تكن سوى عنوان إعلامي بينما تستمر على الأرض موجات من القصف، هدم المنازل، وعمليات قنص وإطلاق نار متقطعة تقطع أوصال الأمان من حياة المدنيين.
تقول منار جندية، أم فلسطينية من مدينة غزة تقيم الآن في دير البلح، إن توقف الحراك الإعلامي عن وصف ما يحدث بـ«الإبادة الجماعية» لا يعني توقف العنف فعليًا.
فقد اضطرّت هي وأطفالها إلى الفرار مرارًا بعد أن ظلّ حيّها الشجاعية خاضعًا لسيطرة عسكرية وتعرض لقصف متكرر، وفقدت شقيقتها في هجوم حديث. «لم تتوقف الإبادة الجماعية إلا في وسائل الإعلام. أما نحن، فهي لا تزال مستمرة»، تقول منار بصوت يمزجه التعب بالألم.
وعلى الأرض، توضح شهادات السكان أن الانفجارات وصوت الطلقات باتا جزءًا من الروتين اليومي. المدنيون يسجلون خسائر مستمرة: استشهاد وجرح أفراد خلال عمليات قصف متفرقة، وهدم منازل ووصولات قتلى ممن ينتظرون المساعدات.
وتشير الإحصاءات المعلنة من الجهات المحلية إلى سقوط مئات الضحايا منذ دخول الهدنة، مما يضع علامات استفهام حول جدية أي وقف فعلي لإطلاق النار ومدى التزام الطرف العسكري بشروطه.
ولا يقل المشهد النفسي للاقتحام اليومي لا يقل خطورة عن العنف المادي. طائرات مُسيّرة تجوب سماء المدن تبث رسائل تهديدية، وتُسجل لحظات من الذعر لدى السكان؛ تصاعدت شكاوى من رسائل تطالب بتسليم جثث أو تلفيق رسائل لإثارة الرعب، فيما تُستخدم المكالمات المسجلة كأداة حرب نفسية لتهديد المدنيين وإيصال رسالة أن الوجود الأمني قريب دائمًا.
ولا تقتصر هذه التكتيكات على بث الكلمات فقط، بل تشمل نشر منشورات ورمي رسائل تهديد من السماء لتكثيف الضغط النفسي على المدنيين.
بموازاة ذلك يتواصل جانب آخر من الأزمة هو استمرارية الحصار والقيود على دخول المساعدات.
فرغم الاتفاقات، لا تزال أعداد الشاحنات المسموح لها بالدخول أقل بكثير من المستهدف، والمواد الأساسية والمعدات الطبية الحيوية نادرة.
ويعاني المواطنون من نقص غذائي متصاعد وغياب العديد من الأصناف الأساسية، بينما تواصل الجهات المسؤولة تبرير القيود بحجج أمنية دون تقديم حلول عملية لتعجيل وصول المساعدات الملحة إلى المحتاجين.
ومنذ بدء الهدنة، سجّلت حالات قصف متكرر، بعضها أدّى إلى سقوط عدد من القتلى، بينهم أطفال، ما دفع جهات محلية وحقوقية إلى وصف الهدنة بأنها هشة على الأرض وغالبًا ما تُنتهك.
وفي مواقف عديدة، شهدت مناطق تقع خارج «الخط الأصفر» عمليات هدم ممنهجة للمنازل والمباني، في حين أُبلغ عن استمرار انتشار آليات عسكرية على مسافات قريبة من الأحياء السكنية، ما يجعل العودة الآمنة للنازحين أمرًا مستبعدًا.
وتبرز القصص الشخصية جانبًا إنسانيًا مؤثرًا حيث عائلات تفقد معيلين، أطفال يُترَكون بلا رعاية، ومدارس تتحول إلى ملاجئ مؤقتة تفتقر لأبسط مستلزمات الحياة.
منار وغيرها من النساء تحاولن حماية أطفالهن عبر التخزين والبحث عن ملاجئ داخل مدارس أو خيام، لكن الخوف من تجدد القصف يجعل كل تحرك محفوفًا بالمخاطر. كما يروي السكان حوادث إطلاق نار «هستيري» من مركبات عسكرية وقنص متواصل، ما يجعل من أي تجمّع مدني هدفًا محتملاً.
في هذا المناخ المتأزم، يطالب المواطنون وضحايا العدوان الإسرائيلي بآليات تحقق حقيقية ووجود مراقبة دولية تضمن تنفيذ بنود الهدنة وحماية المدنيين وسط إصرار على أن السلام الدائم لن يتحقق إلا بإنهاء الممارسات العسكرية التي تواصل تقويض البنى الحياتية وتهجير السكان، وبفتح المعابر أمام المساعدات الضرورية دون قيود تعطل وصول الغذاء والدواء والوقود.
وحتى يتحقق ذلك، يبقى قطاع غزة ساحة تتجدد فيها المآسي يوميًا: هدنة على الورق، وحياة متقطعة بين خوف لا ينتهي وآمال مهْدَمة. المدنيون ينتظرون أكثر من كلمات؛ ينتظرون إجراءات ملموسة تعيد إليهم أبسط متطلبات العيش الآمن، قبل أن تُنقل محطات جديدة من هذه المعاناة إلى سجل نسيان الإعلام.





