طرحت الإدارة الأميركية، الخميس، رؤية مثيرة للجدل لإعادة تشكيل قطاع غزة، تقوم على تحويله خلال سنوات قليلة إلى وجهة سياحية واستثمارية كبرى على البحر المتوسط، في إطار خطة أوسع تشرف عليها مبادرة أطلق عليها اسم «مجلس السلام»، وذلك خلال أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
ويأتي هذا الطرح بعد أكثر من عامين من حرب مدمّرة تركت القطاع الفلسطيني شبه منهك، مع دمار واسع في البنية التحتية ونزوح جماعي للسكان، ورغم دخول وقف لإطلاق النار حيّز التنفيذ في أكتوبر الماضي، لا تزال الأزمة الإنسانية مستمرة، وسط نقص حاد في المساكن والخدمات الأساسية.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب قدّم الخطة بوصفها فرصة تاريخية، معتبرًا أن الموقع الجغرافي لغزة يمنحها إمكانات اقتصادية غير مستغلة. وقال خلال مشاركته في دافوس إن القطاع يمكن أن يتحول إلى نموذج جديد بالكامل، إذا ما جرى استثماره “بالطريقة الصحيحة”، مشددًا على أن المشروع يتجاوز الإغاثة الطارئة إلى إعادة صياغة الاقتصاد والمشهد العمراني جذريًا.
وأوضح أن الرؤية الأميركية لا تقوم على إعادة الإعمار التقليدية، بل على بناء مدينة حديثة تضم أبراجًا سكنية ومرافق سياحية وتجارية، بما يجعل غزة مركز جذب إقليمي ودولي. واعتبر أن هذا التحول يمكن إنجازه خلال فترة قصيرة نسبيًا، إذا توفرت الإرادة السياسية والتمويل اللازم.
من جانبه، تحدث جاريد كوشنر، أحد أبرز مهندسي الخطة، عن مشروع متكامل يهدف إلى إحداث “قفزة اقتصادية شاملة”، عارضًا تصورًا لمدينة حديثة مطلة على البحر، تعتمد على الاستثمار الخاص وتستقطب رؤوس أموال ضخمة. وأشار إلى أن حجم الاستثمارات المتوقعة قد يتجاوز 25 مليار دولار لإعادة بناء البنية التحتية والخدمات العامة.
ووفق التصور الأميركي، من المفترض أن يحقق القطاع خلال عقد واحد نموًا اقتصاديًا كبيرًا، مع ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي وتحقيق معدلات تشغيل كاملة، بما يوفّر مستوى دخل أعلى للأسر الفلسطينية ويُنهي الاعتماد المزمن على المساعدات الإنسانية.
وأكد كوشنر أن النموذج المقترح يسعى إلى نقل غزة من اقتصاد إغاثي هش إلى اقتصاد إنتاجي قائم على السياحة، والخدمات، والصناعة الخفيفة، معتبرًا أن ذلك وحده كفيل بمنح السكان “الكرامة والأمل”.
وفي سياق متصل، أُعلن أن لجنة إدارية جديدة ستتولى الإشراف على المرحلة الانتقالية في غزة، على أن تركز خلال الأشهر الأولى على تهيئة الأرضية القانونية والأمنية لإطلاق المشاريع الكبرى. وتشمل الخطة إشراك مطورين عقاريين وخبراء دوليين في التخطيط والتنفيذ.
غير أن الطرح الأميركي يواجه تساؤلات واسعة، خصوصًا في ظل غياب واضح للتوافق الإقليمي حول شكل إعادة الإعمار، إذ كانت مصر قد قادت في وقت سابق مبادرة عربية لإعادة بناء غزة، حظيت بدعم أوروبي، وتستند إلى الحفاظ على الطابع السكاني والسياسي للقطاع، وهو ما لم يكن حاضرًا بوضوح في عرض دافوس.
كما حذرت جهات دولية من أن الواقع الإنساني في غزة لا يزال بالغ القسوة، مع دمار أحياء كاملة ومستشفيات ومدارس، وإقامة مئات الآلاف في ملاجئ مؤقتة، ما يجعل الحديث عن مشاريع فاخرة سابقًا لأوانه بالنسبة لكثيرين.
وتبقى الخطة الأميركية مشروطة بجملة من التعقيدات، أبرزها مستقبل الحكم في غزة، ونزع سلاح الفصائل المسلحة، وضمانات أمنية طويلة الأمد، وهي ملفات لا تزال محل خلاف عميق.
وبينما تصف واشنطن مشروعها بأنه فرصة لتحويل المأساة إلى نقطة انطلاق جديدة، يرى منتقدون أن أي إعادة إعمار حقيقية لا يمكن فصلها عن الحقوق السياسية للفلسطينيين، ولا عن معالجة جذور الصراع التي أدت إلى هذا الدمار الواسع.




