تبلورت معالم انتقال البعثة الدبلوماسية الإماراتية في إسرائيل من مقارّ مستأجرة إلى مبنى دائم، عقب اكتمال ترتيبات شراء قطعة أرض في مدينة هرتسليا الساحلية شمال تل أبيب، بقيمة تقدَّر بعشرات ملايين الشواقل.
وتؤشر الخطوة إلى تثبيتٍ مؤسسي للعلاقات، عبر إنشاء مجمّع يلبّي المعايير الأمنية والوظيفية الحديثة للعمل القنصلي والدبلوماسي.
وتكشف المعطيات أن رحلة البحث عن موقع مناسب انطلقت قبل نحو أربع سنوات، بطلب من جهة حكومية عليا وبالتنسيق مع بلدية هرتسليا.
وقد خضع الاختيار لاعتباراتٍ عمرانية وأمنية ولوجستية، بما في ذلك سهولة الوصول، ونُظم الأمان المحيطة بالموقع، ومواءمة التصاميم المقترحة لمتطلبات البعثات الأجنبية.
وخلال هذه الفترة، جرت مفاوضات متوازية مع عدة جهات محلية معنية بالتخطيط والبنى التحتية، بالتوازي مع إعداد صيغ تأجير/تخصيص تتوافق مع الأطر التنظيمية المعمول بها داخل نطاق البلدية.
مشروع ذو أولوية وتكييف تخطيطي
تتعامل الجهات الإدارية المختصة مع المشروع بوصفه ذا أولوية عالية؛ إذ أُعلن عن تخصيص مواردٍ إضافية لدفع المسار التخطيطي قدمًا، والعمل على تكييف اشتراطات البناء والارتدادات والحماية وفق احتياجات المجمّع الدبلوماسي.
ويُنتظر أن تتضمن الحزمة التخطيطية منظومة أمن متكاملة، ومساحات استقبال للجمهور، ووحدات لخدمات التأشيرات والقنصلية، ومرافق دعم لوجستي وتقني تتناسب مع حجم الحركة المتوقعة.
ومنذ توقيع اتفاقات التطبيع عام 2020، عملت البعثة الإماراتية من مواقع مستأجرة إلى حين افتتاح سفارتها في تل أبيب في يوليو/تموز 2021 داخل مبنى بورصة تل أبيب للأوراق المالية، كأول سفارة خليجية في إسرائيل.
ومع توسّع ملفات التعاون خلال الأعوام اللاحقة في قطاعات التجارة والسياحة والتكنولوجيا، تزايدت الحاجة إلى مقرّ دائم ذي سعةٍ وظيفية أكبر واستقرار تنظيمي أطول أمدًا، وهو ما يوفّره مشروع هرتسليا.
لماذا هرتسليا؟
تُعد هرتسليا جزءًا من الحزام الساحلي عالي الكثافة الدبلوماسية والاقتصادية شمال تل أبيب، وتضم مناطق أعمال وشركات تكنولوجيا ومقارّ بعثات ومراكز أبحاث.
ويمنح هذا التمركز السفارة سهولة الربط مع الوزارات والهيئات الاقتصادية، كما يتيح بيئة عمرانية حديثة تلائم معايير السفارات الجديدة من حيث الأمن والاستدامة والخدمات العامة والمواصلات.
إضافةً إلى ذلك، تعكس الأسعار المرتفعة للأراضي المكانة العقارية للمدينة، ما يفسّر تقدير قيمة الصفقة بعشرات ملايين الشواقل.
الجدول الزمني والخطوات المقبلة
بعد اكتمال عملية الشراء، من المرتقب الشروع في مراحل التصميم التفصيلي والحصول على الرخص التنظيمية اللازمة، ثم طرح العطاءات المرتبطة بأعمال البناء والأنظمة الكهروميكانيكية والأمنية.
وتُشير المؤشرات الأولية إلى أن البعثة ستواصل العمل من مقارّها الحالية مؤقتًا إلى حين إنجاز المبنى الجديد وتجهيزه، مع احتمال اعتماد مراحل تشغيل جزئية إذا سمحت الجداول الزمنية بذلك.
ويأتي تثبيت مقرّ دائم في هذا التوقيت بوصفه رسالة عملية على ترسيخ العلاقات الثنائية على المدى الطويل، بالرغم من الاختبارات السياسية التي فرضتها الحرب في غزة في العامين الماضيين.
فالوجود الدائم لا يقتصر على الرمزية؛ إذ يسهّل تطوير قنوات العمل البيروقراطي، ويقلّل كلفة التشغيل على المدى الطويل، ويُحسّن تجربة الجمهور في الخدمات القنصلية، ويوفّر منصة لفعاليات ثقافية واقتصادية تعزّز التواصل بين مجتمعَي الأعمال.
استدامة ومعايير حديثة
من المتوقع أن يراعي التصميم النهائي مبادئ الاستدامة وكفاءة الطاقة وإدارة الحركة والأمن المحيط، إلى جانب حلول رقمية لخدمات المراجعين وجدولة المواعيد والمعاملات.
كما سيُدمج المبنى بمنظومة المدينة الذكية والبنية التحتية المحيطة، بما يعكس توجهًا عامًّا لاعتماد مقارّ دبلوماسية متعددة الوظائف تستجيب لاحتياجات العصر.
وبالمجمل يضع شراء أرضٍ لإقامة سفارة إماراتية دائمة في هرتسليا العلاقات الإماراتية–الإسرائيلية على مسارٍ مؤسسي أكثر رسوخًا. وبينما تمضي الأعمال التحضيرية قدُمًا بالتعاون مع السلطات البلدية والهيئات التخطيطية، يُنتظر أن يشكّل المقر الجديد نقطة ارتكازٍ دبلوماسية وخدمية طويلة الأمد، تعكس انتقال العلاقة من طور التدشين إلى منظومة عملٍ مستقرة تتجاوز تقلبات الظرف السياسي.





