منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر 2023، بدأت القوات الإسرائيلية في تنفيذ خططها العسكرية في جنوب سوريا، مستهدفةً المدن والأحياء السكنية على طول الحدود مع مرتفعات الجولان المحتلة. واحدة من أبرز هذه المناطق التي تعرضت للتدمير هي بلدة الحمادية في محافظة القنيطرة، حيث تروي السيدة علي وزوجها عيد كيف شاهدوا دبابات إسرائيلية وهي تدمر منزلهم في يونيو 2025، في حادثة تثير قلقًا بالغًا لدى السكان المحليين وحقوق الإنسان.
وفقًا لتقارير إعلامية متطابقة فإن الهجوم الإسرائيلي على الحمادية لم يكن حادثًا معزولًا. فقد دمرت المنازل في المنطقة التي تخضع لسيطرة الحكومة الانتقالية السورية، وذلك بالقرب من قاعدة عسكرية إسرائيلية جديدة في المنطقة العازلة بين سوريا وإسرائيل. وقد وصف السكان المحليون تكتيكات الجيش الإسرائيلي بأنها “مرعبة” بسبب الهدم العشوائي للمنازل، ما أدى إلى تشريد العائلات التي فقدت كل شيء.
وتشير التقارير إلى أن هذا الهجوم ليس سوى جزء من خطة إسرائيلية أوسع لتوسيع وجودها العسكري في جنوب سوريا، حيث بدأ الجيش الإسرائيلي ببناء عدة قواعد عسكرية في المنطقة العازلة التي فرضتها الأمم المتحدة بعد حرب 1973. كما تشير صور الأقمار الصناعية إلى انتشار قوات إسرائيلية في مناطق خارج هذه المنطقة العازلة، ما يعكس حقيقة أن الاحتلال الإسرائيلي في جنوب سوريا ليس قاصرًا على العمليات العسكرية، بل يهدف إلى فرض واقع جديد يضع المنطقة تحت سيطرة عسكرية مباشرة.
مخطط دفاعي أم احتلال؟
تعتبر إسرائيل أن الهدف من هذه التحركات هو إقامة “منطقة دفاعية معقمة” في جنوب سوريا لمنع “إنشاء وتنظيم الإرهاب” من قبل الجماعات المسلحة المدعومة من إيران. ومن خلال هذا التوسع العسكري، تسعى إسرائيل إلى إقامة حاجز أمني يضمن لها السيطرة على المناطق الاستراتيجية في جنوب سوريا، خصوصًا تلك التي تطل على مرتفعات الجولان.
رياض قهوجي، المحلل الأمني، أشار إلى أن إسرائيل تهدف إلى تحويل جنوب سوريا إلى منطقة خالية من السكان العسكريين والجماعات المسلحة، وهو ما يتوافق مع استراتيجيتها الأمنية التي تتصاعد بشكل أكبر بعد هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023. وأضاف قهوجي أن إسرائيل قد تبقى في هذه المنطقة لسنوات قادمة حتى تتأكد من أن الحكومة السورية الجديدة قادرة على تأمين المنطقة ضد أي تهديدات أمنية.
السكان في حالة من الرعب والذعر
يعيش سكان الحمادية في حالة من الرعب والذعر الدائم نتيجة لتوسع الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة. يقول السيد علي، أحد سكان البلدة، إن قوات الاحتلال تقتحم المنازل بشكل مستمر، وتقوم بمسح شامل للمنازل لتسجيل كل شيء. إضافة إلى ذلك، أُجبر السكان على الهروب من منازلهم في ظل إطلاق النار، الدبابات، وقنابل الدخان التي استخدمها الجيش الإسرائيلي أثناء عملية الاجتياح.
كما ذكر السكان أن حتى النشاطات اليومية البسيطة، مثل زيارة المقبرة أو ترميم المنازل، تحتاج إلى إذن من القوات الإسرائيلية. هذه السيطرة العسكرية المستمرة تخلق واقعًا جديدًا في الحياة اليومية للسكان، حيث لا يستطيعون العودة إلى منازلهم أو حتى إجراء إصلاحات دون الخضوع للرقابة الإسرائيلية.
القلق الدولي: ماذا تقول الأمم المتحدة؟
أثار هذا التوسع العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا القلق على الصعيد الدولي، حيث طالبت الأمم المتحدة بوقف هذه العمليات فورًا، محذرةً من تداعياتها على استقرار المنطقة. وفيما يتعلق بسوريا، قالت السلطات المحلية في الحمادية إن الوضع أصبح أكثر تعقيدًا بعد بدء الاحتلال الإسرائيلي، حيث تتراوح ردود الفعل بين السكان ما بين الشعور بالخذلان بسبب تدمير منازلهم ومخاوف من تحولات سياسية أكبر قد تهدد حقوقهم.
وقال المسؤول السوري سالم البخيت إن الحكومة السورية ستحاول مساعدتهم بقدر استطاعتها، ولكنها تواجه تحديات ضخمة بسبب نقص الموارد المالية واحتياجات إعادة الإعمار. في الوقت نفسه، تزداد المشكلات الاجتماعية في المنطقة، حيث يواجه السكان ظروفًا اقتصادية خانقة بعد تدمير ممتلكاتهم.
خاتمة: تزايد القلق من احتلال دائم
مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي في جنوب سوريا، يصبح من الواضح أن إسرائيل قد وضعت يدها على أراضٍ جديدة، ما يزيد من تعقيد الأمور في المفاوضات المستقبلية مع سوريا. وبينما يتحدث المحللون عن إمكانية استخدام الاحتلال كـ”ورقة مساومة” في محادثات التطبيع المستقبلية، يبقى الواقع المؤلم للسكان المحليين في الحمادية وغيرها من القرى في الجولان هو الأكثر تأثيرًا، حيث يعيشون في حالة من التشرد، الفقر، والخوف من المستقبل المجهول.
إن ما يحدث اليوم في جنوب سوريا ليس مجرد نزاع إقليمي، بل هو قصة معاناة إنسانية جديدة تهدد بتغيير ملامح المنطقة بشكل كامل، وتضع المزيد من الضغوط على المفاوضات السياسية المستقبلية التي قد تحدد مصير الأراضي السورية المحتلة.





