بدأت التصدعات تضرب التحالف السياسي الذي يقوده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مع تصاعد الخلافات مع الأحزاب اليهودية الأرثوذكسية المتشددة (الحريديم) بشأن قانون تجنيد طلاب المدارس الدينية، في وقت يستعد فيه الاحتلال لخوض انتخابات توصف بأنها من أكثر الاستحقاقات السياسية حساسية منذ سنوات.
وأظهرت مؤشرات سياسية متزايدة أن الأزمة لم تعد تقتصر على الخلاف حول التجنيد الإجباري، بل امتدت إلى التشكيك في مستقبل التحالف الذي شكّل أحد أهم ركائز بقاء نتنياهو في الحكم منذ تسعينيات القرن الماضي، وسط حديث متزايد عن احتمال انفتاح الأحزاب الحريدية على تحالفات سياسية جديدة مع خصومه.
ويرى مراقبون أن الحرب المستمرة على قطاع غزة وما رافقها من استنزاف للقوات العسكرية الإسرائيلية أعادت ملف إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية إلى واجهة المشهد السياسي، بعدما تصاعدت الضغوط الشعبية والسياسية لإنهاء الامتياز التاريخي الذي يسمح لآلاف طلاب المدارس الدينية بالإعفاء من التجنيد.
وأكدت المديرة العامة لإحدى منظمات المجتمع المدني الحريدية، بينينا بفويفر، أن حالة من “خيبة الأمل والغضب” تسود داخل المجتمع الحريدي بسبب تعامل الحكومة مع هذا الملف، معتبرة أن المشهد السياسي بات أكثر انفتاحاً من أي وقت مضى على احتمالات إعادة رسم التحالفات.
وقالت إن فكرة انضمام الأحزاب الحريدية إلى حكومة يقودها رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق غادي آيزنكوت لم تعد مستبعدة، مشيرة إلى أن الأخير لا يُنظر إليه داخل الأوساط الحريدية باعتباره خصماً مباشراً لهذه الشريحة.
بدوره، اعتبر المؤرخ الإسرائيلي والباحث في التاريخ السياسي والديني آفي رام تزوريف أن الأزمة كشفت وجود انقسام حقيقي بين اليمين الإسرائيلي والأحزاب الحريدية، مؤكداً أن التحالف بين الطرفين “ليس قدراً سياسياً دائماً”.
وأوضح أن المعارضة الإسرائيلية تستطيع استثمار هذه الخلافات لإعادة تشكيل الخريطة السياسية، عبر بناء تحالفات جديدة تكسر الهيمنة التي فرضها معسكر نتنياهو خلال السنوات الماضية.
وتحولت قضية التجنيد إلى واحدة من أكثر الملفات إثارة للانقسام داخل إسرائيل منذ اندلاع الحرب على غزة، بعدما استُدعي مئات آلاف جنود الاحتياط إلى الخدمة، بينما استمر إعفاء الحريديم من الالتحاق بالجيش لمواصلة الدراسة الدينية.
وفشل ائتلاف نتنياهو مراراً في تمرير قانون ينظم عملية تجنيد الحريديم، الأمر الذي أدى إلى اعتقال عشرات الشبان المتهمين بالتهرب من الخدمة العسكرية، وأشعل احتجاجات واسعة شاركت فيها الأحزاب الدينية الرئيسية.
كما دفعت الأزمة عدداً من الوزراء المنتمين إلى حزبي “شاس” و”يهودية التوراة المتحدة” إلى الاستقالة من مناصبهم الحكومية احتجاجاً على تعثر تشريع القانون، رغم استمرار الحزبين في دعم الحكومة داخل الكنيست في القضايا الأساسية.
وامتدت تداعيات الأزمة إلى داخل حزب الليكود نفسه، حيث أعلن عضو الكنيست دان إيلوز انسحابه من الحزب بسبب ما وصفه بتقديم تنازلات غير مقبولة للحريديم، معتبراً أن ذلك يضر بقدرة الحكومة على تعزيز قوتها العسكرية والأمنية.
في المقابل، بدأ قادة الحريديم يوجهون رسائل أكثر حدة تجاه نتنياهو، بعدما أعلن الحاخام دوف لاندو، الزعيم الروحي لحزب “ديجل هاتوراه”، أن حزبه “لم يعد يثق بنتنياهو”، مؤكداً أنه لم يعد ملتزماً بالتحالف معه.
كما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤول بارز في الحزب قوله إن ما كان يعرف بـ”كتلة اليمين” لم يعد قائماً، وإن الحزب مستعد للتفاوض مع أي معسكر سياسي يوافق على مطالبه المتعلقة بالخدمة العسكرية والتعليم الديني.
وتجاوز الخلاف حدود السياسة إلى البعد الأيديولوجي، بعدما وجه الحاخام لاندو انتقادات حادة للحركة الصهيونية الدينية، متهماً إياها بخوض الحروب “من أجل شرف الدولة” وليس لأسباب تتعلق بإنقاذ الأرواح، واصفاً قادتها بأنهم يتحملون مسؤولية الكوارث التي لحقت بإسرائيل.
وأثارت تلك التصريحات موجة انتقادات داخل الأوساط السياسية الإسرائيلية، بما في ذلك من جانب نتنياهو، الذي وصفها بأنها “تصريحات مروعة”، إلا أن مراقبين رأوا أنها تعكس رؤية دينية قديمة تنأى بنفسها عن المشروع العسكري للدولة.
وترى بفويفر أن هذه التصريحات لا تمثل دعوة مباشرة لإسقاط الحكومة، وإنما تعبر عن موقف ديني وأخلاقي يعتبر أن الحرب ليست حرب الحريديم، وأن مجتمعاتهم واصلت حياتها بصورة طبيعية نسبياً رغم استمرار العمليات العسكرية.
في المقابل، يعتقد تزوريف أن تصريحات لاندو تحمل بعداً سياسياً أيضاً، لأنها تعكس رفضاً لمنح الدولة مكانة دينية تتقدم على دراسة التوراة، وهو ما يشكل أساس الخلاف مع التيار الصهيوني الديني.
وفي الوقت ذاته، تواجه الأحزاب الحريدية تحدياً آخر يتمثل في تزايد شعبية وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير داخل بعض قواعدها الانتخابية، ولا سيما بين الناخبين التقليديين لحزب “شاس”، ما يدفع قيادة الحزب إلى التشدد في تمسكها بمعسكر اليمين خشية خسارة أصواتها.





