في خضم الحرب على غزة ومساعي دونالد ترامب وحلفائه في الخليج للترويج لخطط “السلام”، تُواصل حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة فرض وقائع استيطانية جديدة على الأرض، تُهدد بالقضاء على أي أمل في قيام دولة فلسطينية مستقبلية.
آخر هذه الإجراءات تمثل في إقرار الحكومة الإسرائيلية عملية تسجيل رسمية للأراضي في المنطقة “ج” من الضفة الغربية المحتلة — وهي خطوة وُصفت بأنها “أكبر عملية سرقة منظمة للأراضي الفلسطينية” منذ عقود.
“تجريد جماعي للفلسطينيين”
المنطقة “ج” تخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة عسكرياً ومدنياً بموجب اتفاقيات أوسلو، وتمثل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية. وبتنفيذ هذا القرار، تسعى إسرائيل إلى فرض ملكية قانونية للمستوطنين على مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية المصنفة كأراضي زراعية أو مشاع.
منظمة “السلام الآن” الإسرائيلية حذّرت من أن القرار “يشرعن سرقة الأراضي الفلسطينية” ويمهّد لعملية ضم فعلية للضفة الغربية. كما سيجعل أي تسوية سياسية قائمة على حل الدولتين “أكثر تكلفة وتعقيداً وربما مستحيلة”، باعتبار أن الملكية القانونية للأرض ستكون قد نُقلت فعلياً إلى الإسرائيليين.
بحسب القانون الدولي، يُحظر على القوة المحتلة تغيير الوضع القانوني للأراضي التي تسيطر عليها. لكن حكومة نتنياهو ماضية في تحدي هذا المبدأ، وسط صمت دولي وانشغال العالم بحرب غزة.
تحويل الاحتلال إلى “سيادة دائمة”
وزراء من الصف الأول في الحكومة اليمينية رحّبوا بالقرار بوصفه “خطوة استراتيجية لتعزيز السيطرة الإسرائيلية” على الضفة الغربية. وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، أحد أبرز قادة حركة الاستيطان، قال صراحة: “نحن نُعلن تحمّل إسرائيل المسؤولية عن هذه المناطق كدولة ذات سيادة دائمة”.
أما وزير الدفاع إسرائيل كاتس، فلم يُخفِ الهدف السياسي من العملية، معتبراً أن تسجيل الأراضي يأتي “لتوسيع وتعزيز الاستيطان اليهودي” في الضفة الغربية.
تصعيد في القدس الشرقية
في تصعيد آخر، أعلنت الحكومة الإسرائيلية أنها ستعقد اجتماعاً وزارياً احتفالياً في مستوطنة بالقدس الشرقية في 26 مايو، بمناسبة ما يسمى “يوم القدس”، الذي يحيي ذكرى احتلال المدينة في 1967.
واختارت الحكومة موقع “مدينة داود” في حي سلوان الفلسطيني لعقد الاجتماع، في خطوة استفزازية واضحة. ورغم تحذيرات جهاز الأمن الداخلي (الشاباك) من مخاطر أمنية تتعلق بالفعالية، أصرّ مكتب نتنياهو على المضي قدماً، زاعماً أن “الاجتماع يُعقد في قلب عاصمتنا الموحدة والأبدية”.
تُدير جمعية “إلعاد” الاستيطانية موقع مدينة داود كمتنزه أثري مُسيّس، يستخدم كأداة لتعزيز الرواية الإسرائيلية حول “حق اليهود التاريخي” في المدينة.
نهج الضم الزاحف وسط صمت دولي
يُنظر إلى هذه الخطوات كجزء من استراتيجية إسرائيلية طويلة الأمد تُعرف بـ”الضم الزاحف”، حيث يتم فرض سيطرة تدريجية على الأرض والموارد الفلسطينية دون إعلان رسمي. لكنها هذه المرة تتخذ طابعاً قانونياً رسمياً يُحوّل الاحتلال العسكري إلى “ملكية سيادية” بحكم الأمر الواقع.
في السنوات الماضية، أدت خطوات مشابهة إلى موجات عنف واشتباكات، خصوصاً في البلدة القديمة بالقدس خلال “مسيرة الأعلام” التي ينظمها قوميون متطرفون. ومع استمرار غياب موقف حازم من المجتمع الدولي، تبدو إسرائيل ماضية في سياسة “الأمر الواقع” بلا عوائق.





