رفض قضاة المحكمة الجنائية الدولية، طلبًا قدمته الحكومة الإسرائيلية لسحب مذكرات الاعتقال الصادرة بحق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الجيش السابق يوآف غالانت، في خطوة وُصفت بأنها انتصار قانوني للفلسطينيين وخسارة دبلوماسية لإسرائيل التي تواجه تهم ارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة.
جاء قرار المحكمة ردًا على التماس إسرائيلي سعى إلى تعليق المذكرات بناءً على طعن تقدمت به إسرائيل ضد اختصاص المحكمة في النظر في النزاع الدائر في الأراضي الفلسطينية، لا سيما في قطاع غزة، حيث تتهم المحكمة القيادة الإسرائيلية بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي خلال الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023.
وقالت المحكمة، في وثيقة رسمية مؤرخة في 9 يوليو، إن الاعتراض القانوني الذي قدمته إسرائيل لا يزال قيد المراجعة، وبالتالي فإن مذكرات التوقيف ستظل قائمة إلى حين البت في مسألة الاختصاص.
وأشارت المحكمة إلى أن “أوامر الاعتقال صادرة بموجب أدلة وقرائن جدية، ولا يمكن تعليقها بناء على اعتراض لم يُفصل فيه بعد”. كما رفض القضاة أيضًا طلبًا إضافيًا من إسرائيل لتعليق التحقيق الأشمل الذي تجريه المحكمة في الجرائم المرتكبة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 2014.
ضغط أمريكي وتهديدات علنية
قرار المحكمة يأتي رغم ضغوط سياسية مكثفة مارستها كل من إسرائيل والولايات المتحدة على المحكمة. ففي مطلع يوليو، هدد ريد روبنشتاين، مستشار الشؤون القانونية في وزارة الخارجية الأميركية، المحكمة بشكل علني، مؤكدًا أن “كل الخيارات مطروحة على الطاولة”، في إشارة إلى احتمال فرض مزيد من العقوبات على القضاة والمدعين.
وقال روبنشتاين: “سنتخذ كل الإجراءات القانونية والسياسية الممكنة لمنع المحكمة من تجاوز صلاحياتها”، في موقف يعكس مدى الانزعاج الأميركي من تزايد تحركات المحكمة تجاه محاسبة المسؤولين الإسرائيليين.
وفي سياق متصل، أعلنت إدارة ترامب مؤخرًا فرض عقوبات على فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية، بعد أن أصدرت تقريرًا حادًا في 30 يونيو، وصفت فيه إسرائيل بأنها تدير “اقتصاد إبادة جماعية” في الأراضي المحتلة. واتهم التقرير أكثر من 60 شركة، من ضمنها شركات تكنولوجيا أميركية كبرى مثل جوجل وأمازون، بالمشاركة في ترسيخ الاحتلال من خلال تقديم خدمات ومنتجات تدعم البنية التحتية العسكرية الإسرائيلية.
تصعيد قانوني ودبلوماسي
وفي تطور لافت، كشف موقع “ميدل إيست آي” أن محاميًا بريطانيًا–إسرائيليًا، يعمل ضمن فريق الدفاع الإسرائيلي، وجّه تهديدًا مباشرًا للمدعي العام للمحكمة كريم خان في مايو الماضي، متوعدًا بـ”تدميره” في حال لم يتراجع عن إصدار مذكرات التوقيف. لم تعلّق المحكمة رسميًا على هذا التهديد، لكن مراقبين اعتبروا ذلك دليلاً على تصعيد إسرائيلي غير مسبوق ضد المؤسسة القضائية الدولية.
تُعد هذه التطورات الأحدث ضمن جهود إسرائيل الحثيثة لإبطال مسار المساءلة القانونية الدولية. لكنها حتى اللحظة، فشلت في انتزاع أي تنازل من المحكمة، التي يبدو أنها تسير بثبات نحو المضي قدمًا في تحقيقاتها، وسط دعم حقوقي متزايد من منظمات المجتمع المدني، واهتمام إعلامي ودولي آخذ في التصاعد.
وبينما تترقب تل أبيب قرار المحكمة النهائي بشأن اختصاصها، تبقى مذكرات الاعتقال سارية، ما يعني أن نتنياهو وغالانت يواجهان خطر الاعتقال في أي دولة موقعة على ميثاق روما الأساسي.





