وسط استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، أطلقت وزارة الصحة الفلسطينية في القطاع نداءً عاجلًا يُحذّر من انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية، في ظل منع الاحتلال إدخال الإمدادات الطبية الطارئة، وتفاقم الأوضاع الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة.
ووصفت الوزارة الوضع الصحي في قطاع غزة بأنه “كارثي”، مع استمرار الهجمات، وتدمير المستشفيات، ومنع دخول الوقود والمستلزمات الطبية، وعرقلة مغادرة المرضى للعلاج في الخارج. وأشارت إلى أن المستشفيات القليلة التي لا تزال عاملة مهددة بالتوقف الكامل خلال أيام، في حال استمر الحصار الخانق ومنع الإمدادات.
المستشفيات تنهار تحت وطأة الجرحى
قالت الوزارة إن ما تبقى من مستشفيات في قطاع غزة يعمل ضمن إمكانيات محدودة، ويفتقر إلى الأدوية والمستهلكات الطبية الأساسية، بينما تواجه أقسام الطوارئ والعناية المركزة ضغطًا هائلًا مع استمرار تدفق الجرحى والمصابين من جبهات القتال.
وأوضحت أن 45 غرفة عمليات فقط من أصل 312 لا تزال تعمل، ومع ذلك فإنها عاجزة عن إجراء التدخلات الجراحية المعقدة، نتيجة نقص الطواقم والمعدات، وغياب الأجهزة التشخيصية الحديثة، وتراجع الإمدادات الحيوية.
أما أقسام المبيت والعناية المركزة، فتشهد اكتظاظًا حادًا فاق القدرة الاستيعابية، حيث أصبحت الممرات والغرف المتهالكة تحتضن عشرات المصابين الذين لا يجدون سريرًا ولا علاجًا كافيًا.
انهيار تام في الأدوية والمستهلكات
كشفت وزارة الصحة أن 47% من قائمة الأدوية الأساسية نفدت بالكامل، في حين أن 65% من المستهلكات الطبية بات رصيدها صفرًا، ما أثر بشكل مباشر على تقديم الرعاية للمرضى من مختلف التخصصات، وعلى رأسهم مرضى السرطان والقلب والكلى.
وأشارت الوزارة إلى أن 338 مريضًا من مرضى الأورام توفوا وهم في انتظار الحصول على تصريح للسفر من الاحتلال للعلاج بالخارج، بينما تم تسجيل 513 حالة وفاة بسبب منع الاحتلال خروجهم للعلاج أيضًا، وهو ما وصفته الوزارة بجريمة صامتة تُمارس بحق المدنيين.
وأوضحت أن 11 ألف مريض سرطان فقدوا إمكانية العلاج داخل القطاع، بعد تدمير مراكزهم التخصصية، ونفاد الأدوية، وتعنت الاحتلال في منح تصاريح السفر.
شبكات الأكسجين والكهرباء تنهار
المشكلة لا تقف عند الأدوية، فقد أشارت وزارة الصحة إلى أن 9 محطات أكسجين فقط من أصل 34 لا تزال تعمل جزئيًا، وهو ما يمثل خطرًا داهمًا على المرضى في غرف العمليات والعناية المركزة.
أما الكهرباء، فتُعد من أخطر التحديات، إذ يعمل 49 مولدًا كهربائيًا فقط داخل المستشفيات، ولكنها تعمل ضمن أرصدة محدودة من الوقود، غير كافية لتغطية احتياجات الأقسام الحيوية.
الكارثة تمتد إلى الأطفال والتغذية
ومن بين الأعراض الأشد خطورة للوضع الكارثي، برزت أزمة سوء التغذية الحاد لدى الأطفال، خاصة الرضع. وقالت الوزارة إن النقص الحاد في الحليب العلاجي وعدم توفر الغذاء في مراكز الإيواء أدى إلى تفشي حالات فقر الدم، وجعل حملات التبرع بالدم شبه عاجزة.
وأوضحت الوزارة أن بنوك الدم تُعاني من نقص شديد في وحدات الدم ومكوناته، ما يهدد حياة المصابين ممن يحتاجون نقل دم بشكل فوري.
انتشار الأمراض المعدية والأوبئة
الوضع الصحي السيء ترافق مع تفشي أمراض معدية، إذ تم تسجيل 59 ألف حالة إسهال مدمم، و254 ألف إصابة بأمراض الجهاز التنفسي منذ بداية العام الجاري. كما تم تسجيل 337 إصابة بمرض السحايا، من بينها 259 حالة فيروسية، في ظل بيئة طبية عاجزة عن الاستجابة.
وتشير الوزارة إلى أن اشتداد الحرارة ونقص المياه ومستلزمات النظافة يعزز من فرص تفشي الأوبئة، في وقت تشهد فيه مراكز الإيواء أوضاعًا صحية وإنسانية بالغة السوء، حيث يعيش النازحون دون مياه شرب، أو صرف صحي، أو غذاء كافٍ.
المرضى المزمنون بدون علاج
وبحسب التقرير، فإن آلاف المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة مثل السكري، ارتفاع الضغط، الفشل الكلوي، وأمراض القلب، محرومون من المتابعة الطبية، ما يؤدي إلى انتكاسات حادة قد تؤدي إلى الوفاة. وأشارت الوزارة إلى أن 41% من مرضى الفشل الكلوي توفوا خلال الأشهر الماضية نتيجة توقف الجلسات العلاجية ونقص الأدوية.
الاحتلال يعيق جهود المؤسسات الدولية
حمّلت وزارة الصحة الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية المباشرة عن هذه الكارثة، مشيرة إلى أن استمرار منع إدخال المساعدات، واستهداف المراكز الطبية، وتقويض جهود المؤسسات الدولية، كلها عوامل ساهمت في تعقيد المشهد الصحي.
وأكدت أن قوات الاحتلال أفرغت شمال قطاع غزة بالكامل من المستشفيات، عبر تدميرها ومحاصرتها، ما أجبر الجرحى والمرضى على التوجه إلى مدينة غزة، التي أصبحت مستنزفة ومُنهكة.
نداء عاجل
في ختام بيانها، وجهت وزارة الصحة الفلسطينية نداءً إنسانيًا عاجلًا إلى المجتمع الدولي، ومؤسسات الإغاثة، ومنظمة الصحة العالمية، بضرورة التدخل الفوري لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المنظومة الصحية في غزة، قبل وقوع كارثة أوسع لا يمكن السيطرة عليها.
وأكدت أن استمرار العدوان الإسرائيلي وغياب المساءلة سيؤدي حتمًا إلى انهيار كامل للخدمات الصحية، ويضع حياة مئات الآلاف من المرضى والنازحين والجرحى على حافة الموت.





