تقلصت خطة إعادة إعمار قطاع غزة، التي يتبناها ما يعرف بـ”مجلس السلام” المدعوم من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من مشروع واسع لإعادة إعمار القطاع بالكامل إلى مشروع تجريبي محدود في جنوب غزة، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وتعثر الجهود السياسية والأمنية اللازمة لتنفيذ الخطة.
وبحسب الخطة المعدلة، يقتصر المشروع على إنشاء مخيم مؤقت يستوعب عشرات الآلاف من النازحين الفلسطينيين قرب مدينة رفح، بدلاً من إعادة إعمار شاملة كانت قد طُرحت في بداية العام، على أن يتولى إدارة المخيم جهاز إداري فلسطيني وقوة شرطة محلية، بدعم من قوة أمنية دولية محدودة.
وتشير التقديرات إلى أن المشروع لن يكون جاهزاً قبل نهاية عام 2026، في ظل استمرار العراقيل السياسية والأمنية، وتأخر بدء أعمال الإنشاء والتجهيز الميداني داخل المنطقة المخصصة للمخيم.
وباشرت بعض الخطوات التمهيدية خلال الأسابيع الأخيرة، إذ وصل ضباط من المغرب وكوسوفو إلى إسرائيل لتشكيل النواة الأولى لقوة دولية يفترض أن تتولى مهام حفظ الأمن داخل المنطقة التجريبية، كما أوشكت أعمال إنشاء قاعدة لوجستية قرب معبر كرم شالوم على الانتهاء لتخزين المعدات والآليات اللازمة للقوة المستقبلية.
ورغم هذه التحركات، لم تبدأ حتى الآن أعمال بناء المخيم أو قاعدة الدعم الخاصة بالقوات الأمنية، فيما أظهرت صور الأقمار الصناعية أن الموقع لا يزال يقتصر على أعمال حفر دون إقامة أي منشآت جديدة.
ويربط مسؤولون ودبلوماسيون أي تقدم ملموس بنتائج الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر المقبل، وسط اعتقاد بأن تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة قد يفتح المجال أمام تنفيذ الخطة، رغم عدم وجود ضمانات بأن أي ائتلاف بديل سيكون أكثر استعداداً للتعاون.
ويقول دبلوماسيون غربيون إن الهدف الحالي يتمثل في الإبقاء على المشروع قائماً ومنع انهياره بالكامل، خشية أن يؤدي فشل المبادرة إلى فتح المجال أمام خطط أكثر تشدداً تتبناها أطراف داخل الحكومة الإسرائيلية، تشمل توسيع السيطرة على القطاع وإجراء تغييرات ديموغرافية واسعة.
وتتزايد في الوقت ذاته المخاوف من احتمال لجوء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى تصعيد عسكري جديد في غزة قبل الانتخابات، في محاولة لتعزيز موقعه السياسي، وهو ما قد يقضي على فرص تنفيذ المشروع التجريبي بالكامل.
ومنذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، واصلت القوات الإسرائيلية تنفيذ غارات وتوغلات داخل القطاع، ما أسفر عن مقتل أكثر من 1100 فلسطيني، بحسب تقديرات أوردتها تقارير إعلامية، كما توسع انتشار الجيش الإسرائيلي ليشمل أكثر من 60% من مساحة قطاع غزة، مع إنشاء مناطق عازلة إضافية.
ويرى منتقدون للمشروع أن الخطة بصيغتها الحالية لا تمثل إعادة إعمار حقيقية، بل تقتصر على إنشاء منطقة محدودة يمكن استخدامها لإظهار تقدم شكلي، بينما تستمر العمليات العسكرية في بقية أنحاء القطاع.
وفي المقابل، تؤكد الجهات المشاركة في إعداد المشروع أن المبادرة تمثل خطوة أولى يمكن البناء عليها لاحقاً إذا توافرت الظروف السياسية والأمنية المناسبة، وأن الحفاظ على الحد الأدنى من مسار إعادة الإعمار أفضل من انهياره بالكامل.
وتزامناً مع ذلك، تستمر المفاوضات المتعلقة بملف نزع السلاح في غزة، حيث شهدت القاهرة جولة محادثات تناولت آليات التعامل مع أسلحة الفصائل الفلسطينية، بما في ذلك مستقبل سلاح حركة حماس والفصائل الأخرى، وآليات تخزين الأسلحة والإشراف عليها.
غير أن مصادر فلسطينية أشارت إلى أن فرص إحراز تقدم في هذه المفاوضات تبقى محدودة في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية والتوسع العسكري داخل القطاع، معتبرة أن أي نقاش بشأن الترتيبات الأمنية يظل مرتبطاً بوقف العمليات العسكرية والانسحاب التدريجي للقوات الإسرائيلية.
وفي السياق ذاته، كشفت تقارير عن رسالة وجهها أرييه لايتستون، أحد مستشاري إدارة ترامب والمشارك في جهود إعادة إعمار غزة، إلى الحكومة الإسرائيلية، طالب فيها بتخفيف القيود المفروضة على دخول المواد الإنسانية التي تصنفها إسرائيل على أنها “ثنائية الاستخدام”، مثل أنابيب المياه والألواح الشمسية، إضافة إلى السماح بدخول قوة أمنية فلسطينية معتمدة للمشاركة في إدارة المنطقة التجريبية، إلا أن الحكومة الإسرائيلية لم توافق حتى الآن على هذه الطلبات.
ويبتعد المشروع الحالي كثيراً عن الرؤية التي طُرحت مطلع العام، عندما أعلن جاريد كوشنر خطة لإعادة إعمار واسعة خلال مئة يوم تشمل إعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والمستشفيات والمخابز في مختلف أنحاء قطاع غزة، قبل أن تؤدي التطورات الميدانية واستمرار الخلافات السياسية إلى تقليصها إلى مشروع محدود لا يزال مستقبله مرهوناً بالتطورات العسكرية والسياسية خلال الأشهر المقبلة.





