اعتبر كينيث روث، المدير التنفيذي السابق لمنظمة هيومن رايتس ووتش، أن العلاقة التقليدية بين الولايات المتحدة وإسرائيل تشهد تحولات جوهرية، مع تصاعد الانتقادات داخل الأوساط السياسية والشعبية الأمريكية للسياسات الإسرائيلية، معتبراً أن الحرب على غزة ثم المواجهة مع إيران سرعتا هذا التحول وأضعفتا الإجماع الأمريكي التقليدي الداعم لإسرائيل.
وفي مقال نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، قال روث إن استمرار الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل بات يشكل، من وجهة نظره، غطاءً للتورط في ما وصفه بـ”جرائم الحرب” والانتهاكات المرتكبة بحق الفلسطينيين، مؤكداً أن إنهاء هذا الدعم أصبح ضرورة لوقف التصعيد العسكري وتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية.
وأشار إلى أن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية لم تكن دائماً على المستوى الحالي من التقارب، موضحاً أن الرئيس الأمريكي الأسبق هاري ترومان رفض في بدايات قيام إسرائيل إرسال أسلحة إليها، فيما أجبر الرئيس دوايت أيزنهاور إسرائيل على الانسحاب من شبه جزيرة سيناء عام 1957، قبل أن تتحول العلاقة بصورة كبيرة بعد حربي 1967 و1973، مع اعتبار إسرائيل حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة خلال الحرب الباردة.
ورأى روث أن الدعم الأمريكي لإسرائيل ظل لعقود بمنأى عن أي مساءلة داخل واشنطن، حتى مع تصاعد الانتقادات الدولية للسياسات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن تقرير هيومن رايتس ووتش عام 2021، الذي وصف السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية بأنها ترقى إلى نظام فصل عنصري، قوبل برفض واسع داخل الولايات المتحدة رغم الاهتمام الدولي الذي حظي به.
وانتقد سياسة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن تجاه الحرب في غزة، قائلاً إنه رغم تعليق شحنة من القنابل الثقيلة، استمر في تقديم مليارات الدولارات من المساعدات العسكرية والأسلحة لإسرائيل، ولم يستخدم النفوذ الأمريكي للضغط من أجل وقف ما وصفه بسياسة التجويع في قطاع غزة.
واعتبر أن المزاج السياسي داخل الولايات المتحدة بدأ يتغير بصورة واضحة، مستشهداً باستطلاع أجرته مؤسسة بيو في أبريل/نيسان الماضي، أظهر أن 60% من الأمريكيين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، بزيادة ملحوظة مقارنة بالأعوام السابقة.
وأضاف أن نسبة المعارضين لإسرائيل بين الديمقراطيين والمستقلين ذوي الميول الديمقراطية بلغت 80%، فيما أظهر الاستطلاع أيضاً أن غالبية الجمهوريين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عاماً أصبحوا ينظرون إلى إسرائيل بصورة سلبية، رغم استمرار تأييد القاعدة الجمهورية الأكبر سناً لها.
وأشار روث إلى أن الحرب الأخيرة مع إيران عمقت هذا التحول، معتبراً أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى خوض مواجهة عسكرية مع طهران دون وجود استراتيجية واضحة أو خطة لما بعد الحرب.
وقال إن الحرب تركت الولايات المتحدة أمام وضع أكثر تعقيداً، بعدما خرجت إيران – بحسب رأيه – محتفظة بجزء كبير من قدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة، بينما استمر برنامجها النووي، في وقت أصبحت فيه أزمة مضيق هرمز تمثل تحدياً إضافياً للإدارة الأمريكية.
وأضاف أن الخلافات بين ترامب ونتنياهو اتسعت نتيجة اختلاف أولويات الطرفين، موضحاً أن ترامب يسعى إلى تثبيت وقف إطلاق النار وإبرام صفقات اقتصادية مع دول الخليج، في حين يواصل نتنياهو التركيز على التصعيد مع إيران والجبهات الإقليمية الأخرى.
وأشار إلى أن ترامب وصف نتنياهو في مرحلة لاحقة بأنه “مجنون تماماً” بسبب استمرار الهجمات التي اعتبرها تهدد التفاهمات مع إيران، بينما انتقد نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس المسؤولين الإسرائيليين لمهاجمتهم الاتفاق الذي تسعى واشنطن إلى تثبيته مع طهران.
ورأى روث أن إسرائيل أصبحت تمثل عبئاً سياسياً متزايداً على الحزب الديمقراطي، مستشهداً بنتائج الانتخابات التمهيدية الأخيرة في مدينة نيويورك، حيث برز مرشحون انتقدوا بصورة علنية السياسات الإسرائيلية، ووصفوا جماعة الضغط المؤيدة لإسرائيل “أيباك” بأنها تمارس نفوذاً واسعاً داخل الحياة السياسية الأمريكية.
وأضاف أن قيادات ديمقراطية تقليدية، مثل زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، لا تزال تتمسك بالنهج القديم، إلا أنه اعتبر أن مستقبل الحزب يتجه نحو المطالبة بإنهاء الدعم غير المشروط لإسرائيل وربط المساعدات الأمريكية باحترام القانون الدولي.
كما رأى أن نتنياهو يدرك التغير الجاري داخل الولايات المتحدة، مشيراً إلى حديثه عن ضرورة تقليل اعتماد إسرائيل على المساعدات العسكرية الأمريكية خلال السنوات المقبلة، لكنه اعتبر أن أي إدارة ديمقراطية مقبلة قد تتجه إلى تقليص هذا الدعم بوتيرة أسرع.
وفي الشأن الداخلي الإسرائيلي، توقع روث أن يواجه نتنياهو صعوبات سياسية في الانتخابات المقبلة، نتيجة تراجع شعبيته واستمرار محاكمته في قضايا فساد، إلى جانب الانتقادات الموجهة إليه بشأن إخفاقات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
إلا أنه أكد أن تغيير الحكومة وحده لن يكون كافياً لإنهاء عزلة إسرائيل الدولية إذا استمرت السياسات الحالية، معتبراً أن أي حكومة جديدة ستكون مطالبة باتخاذ خطوات جذرية لمعالجة الاتهامات المتعلقة بجرائم الحرب وإنهاء الاحتلال، إذا أرادت إعادة بناء مكانة إسرائيل الدولية.
وختم روث مقاله بالقول إن الدعم الأمريكي غير المشروط منح الحكومات الإسرائيلية شعوراً دائماً بالإفلات من المحاسبة، وأسهم في استمرار سياسات الاحتلال والتوسع والاستيطان.
وشدد على أن إنهاء هذا الدعم سيجبر إسرائيل على إعادة النظر في سياساتها والاعتراف بأن استمرار حرمان الفلسطينيين من حقوقهم الوطنية لن يؤدي إلا إلى تجدد الصراع، وأن تحقيق السلام يتطلب الاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلة.





