بينما يستعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لزيارة دول الخليج هذا الأسبوع، يبدو أنه يبعث برسائل واضحة إلى إسرائيل: لا تُفسدوا زيارتي. في ظل زحام الملفات الحساسة، من النووي الإيراني إلى غزة واليمن، يتضح أن ترامب يريد فترة “هدوء استراتيجي مؤقت” في الشرق الأوسط، حتى لو استدعى ذلك كبح جماح أقرب الحلفاء.
قال مسؤول غربي كبير لموقع “ميدل إيست آي”: “الصدع كلمة قوية، لكن الإحباط يتصاعد”.
تشير هذه العبارة إلى ملامح فتور متزايد في العلاقة بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث يرى مراقبون أن الأول بدأ يتجاهل الخطوط الحمراء الإسرائيلية، خصوصًا في الملفات المرتبطة بإيران واليمن.
ترامب، الذي هاجم علنًا جهود نتنياهو لعرقلة المحادثات النووية مع إيران، يبدو الآن أكثر جرأة في السير عكس التيار الإسرائيلي، كما يُظهر قرار وقف إطلاق النار المفاجئ مع الحوثيين، رغم سقوط صاروخ قرب مطار بن غوريون قبل أيام.
والمقارنة التي استخدمها مسؤول أمريكي حين وصف القرار بـ”لحظة أرامكو” تعكس حجم الصدمة الإسرائيلية، لا سيما أن هذه الخطوة أتت استجابة لضغوط سعودية قبل زيارة ترامب.
ومن وجهة نظر إسرائيل، فإن شرط الهدنة – بعدم مهاجمة الحوثيين لسفن الشحن العالمية – أبقى تل أبيب مكشوفة أمنيًا، في وقت تتلقى فيه الهجمات دون رد أمريكي حاسم.
غزة في الواجهة… وخطة أميركية مثيرة للجدل
في موازاة الملفين الإيراني واليمني، يتحرك ترامب نحو تهدئة الوضع في غزة، حيث حذّر مسؤولون دوليون من خطر مجاعة وشيكة.
تُجهز واشنطن لإطلاق خطة مساعدات إنسانية جديدة عبر “مؤسسة غزة الإنسانية”، وهي منظمة غير ربحية مدعومة من الإدارة الأميركية، ستتولى توزيع الغذاء والدواء في القطاع، بينما تتولى شركة أمنية أميركية تأمين “مراكز توزيع إنسانية” بميزانية منخفضة ولكن تحت رقابة إسرائيلية مشددة.
ورغم أن الخطة تهدف ظاهريًا إلى تجاوز حماس وضمان وصول المساعدات، فإن منظمات الإغاثة والأمم المتحدة حذّرت من أنها تعسكر وتخصخص العمل الإنساني، مما يُعد انتهاكًا للقانون الدولي، ويمنح إسرائيل نفوذًا إضافيًا على المساعدات.
نتنياهو في الزاوية… وأقصى اليمين الإسرائيلي يهاجم
ردود فعل اليمين الإسرائيلي جاءت غاضبة، حيث وصف وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير خطة المساعدات بـ”الخطأ الأخلاقي والاستراتيجي”، معتبرًا أنها مكافأة لغزة في وقت يعاني فيه “رهائننا من الجوع”، على حد وصفه.
ومع أن ترامب يدير الخطة بعناية لمحاولة التوازن بين ضغط العرب ومصالح إسرائيل، إلا أن مؤيديه من الداخل الأميركي بدأوا أيضًا بإثارة تساؤلات: لماذا يجب أن تتورط الولايات المتحدة في إدارة مساعدات بسبب حرب خاضتها إسرائيل؟
النووي السعودي: صفقة بلا تطبيع
في خلفية كل ذلك، تلوح صفقة نووية محتملة بين الولايات المتحدة والسعودية، لكن المفارقة أن ترامب بات مستعدًا للمضي فيها دون ربطها بالتطبيع مع إسرائيل – على عكس ما كانت تفعله إدارة بايدن.
هذه النقلة أزعجت شخصيات بارزة مثل السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، الذي شدد على أنه “لن يدعم أي صفقة مع السعودية دون تطبيع”. لكن إدارة ترامب تبدو عازمة على تسريع صفقات الأسلحة والطاقة، وتقديم معاهدة دفاعية إذا لزم الأمر، دون انتظار موافقة نتنياهو.
وفي المحصلة فإن زيارة ترامب إلى الخليج هذه المرة لا تشبه زيارته في 2017. المعادلة الإقليمية تغيّرت، وكذلك حساباته الداخلية. فبينما يسعى إلى تهدئة مؤقتة تسمح له بتحقيق مكاسب دبلوماسية وإعلامية، يبدو أن صبره على نتنياهو بدأ ينفد.
من اليمن إلى غزة، ومن طهران إلى الرياض، يُظهر ترامب أن لديه أولويات تتجاوز الاعتبارات الإسرائيلية، حتى ولو إلى حين.




