تكشف الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة في القدس المحتلة تصعيداً واضحاً في سياسة الهيمنة الدينية عبر تقييد الوصول إلى الأماكن المقدسة، في خطوة يراها فلسطينيون استغلالاً مباشراً للحرب لفرض سيطرة مشددة على البلدة القديمة وطمس الطابع الديني والتاريخي للمدينة.
وقد منعت السلطات الإسرائيلية بطريرك القدس الكاثوليكي الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا من دخول كنيسة القيامة خلال أحد الشعانين، في سابقة تاريخية غير معهودة، حيث لم يُسجل منذ قرون أن مُنع بطريرك من إحياء هذه المناسبة داخل أقدس موقع مسيحي.
وجاء هذا المنع في سياق إجراءات أوسع شملت إغلاق البلدة القديمة أمام الزوار، ونشر قوات أمنية مكثفة على مداخلها، مع فرض قيود صارمة على دخول المصلين، في وقت أُغلق فيه المسجد الأقصى أيضاً أمام المسلمين خلال فترات حساسة كرمضان وعيد الفطر.
وتبرر إسرائيل هذه الإجراءات بدواعٍ أمنية مرتبطة بالتصعيد العسكري مع إيران، إلا أن فلسطينيين ومراقبين يرون أن هذه الذرائع تخفي سياسة ممنهجة تهدف إلى إعادة تشكيل السيطرة على المقدسات، وفرض واقع جديد على الأرض.
وتعكس شهادات من داخل القدس حالة غضب متزايدة بين المسيحيين الفلسطينيين، الذين اعتبروا أن منع البطريرك يمثل إهانة دينية وسياسية، وأن التعامل مع الأمر عبر “التفاوض” مع السلطات الإسرائيلية يعكس حالة من الخضوع غير المقبول.
ويؤكد سكان محليون أن ما يجري لا يقتصر على تقييد الوصول، بل يمتد إلى تغيير طبيعة الحياة في البلدة القديمة، حيث بدت الشوارع خالية من الزوار والاحتفالات، في مشهد غير مألوف خلال موسم الأعياد المسيحية.
وتتجاوز الإجراءات الأمنية حدود التنظيم إلى ما يصفه السكان بـ”الهيمنة المباشرة”، حيث تتواجد قوات الاحتلال بشكل دائم حول كنيسة القيامة، في خرق واضح لاتفاق “الوضع الراهن” الذي ينظم إدارة الأماكن المقدسة ويمنح الطوائف المسيحية حق الإشراف عليها.
ويرى الفلسطينيون أن هذا الوجود العسكري المكثف، إلى جانب منع المصلين، يشكل انتهاكاً صارخاً للحرية الدينية، ويعكس توجهاً إسرائيلياً لتكريس السيطرة على المقدسات الإسلامية والمسيحية على حد سواء.
كما يشير مراقبون إلى ازدواجية واضحة في تطبيق الإجراءات، حيث سمحت السلطات الإسرائيلية بإقامة احتفالات يهودية في المدينة خلال الفترة نفسها، رغم الظروف الأمنية ذاتها، ما يعزز الاتهامات بالتمييز الديني.
في المقابل، يواجه السكان الفلسطينيون قيوداً يومية تشمل التفتيش والإذلال عند الحواجز، ومنع الوصول إلى أماكن العبادة، وهو ما يخلق شعوراً متزايداً بالاستهداف الممنهج.
وتترافق هذه السياسات مع خطاب سياسي إسرائيلي يسعى إلى تصوير الإجراءات كخطوات ضرورية لحماية الأمن، بينما يراها الفلسطينيون محاولة لإعادة رسم الواقع الديني والسياسي في القدس.
وتتسع دائرة الانتقادات لتشمل أيضاً مواقف بعض القيادات الدينية، التي يتهمها فلسطينيون بالتساهل مع هذه الإجراءات، والانخراط في مفاوضات تمنح شرعية ضمنية للسيطرة الإسرائيلية.
في هذا السياق، يرى حقوقيون أن منع الوصول إلى الأماكن المقدسة، خاصة في أوقات الأعياد، يشكل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي، الذي يكفل حرية العبادة ويمنع القوة المحتلة من فرض قيود تعسفية على السكان.
كما يحذر خبراء من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تصعيد التوترات الدينية، ويقوض أي فرص للحفاظ على الوضع التاريخي القائم في المدينة.
وتكشف الإجراءات الإسرائيلية في القدس عن نهج يتجاوز الاعتبارات الأمنية، ليصل إلى مستوى فرض السيطرة السياسية والدينية على واحدة من أكثر المدن حساسية في العالم.
ومع استمرار إغلاق المقدسات وتقييد المصلين، تتكرس صورة القدس كمدينة تحت الحصار، حيث تتحول أماكن العبادة إلى ساحات صراع، وتُستخدم الشعائر الدينية كورقة في معادلة الهيمنة الإسرائيلية على الأرض والهوية.





