في مشهدٍ يلخّص مأساة الغزيين منذ عامين من الحرب، يروي تقرير موقع ميدل إيست آي البريطاني، قصة المصور الفلسطيني سامي داود، الذي فرّ مع عائلته إلى الجنوب بحثًا عن الأمان امتثالًا لأوامر الجيش الإسرائيلي، لكنه قُتل بعد أيام في المكان الذي وُصف له بأنه “آمن”.
وبعده بيوم واحد فقط، لقي صديقه وزميله المصور يحيى برزق المصير ذاته في قصفٍ آخر على دير البلح.
وعندما كثفت إسرائيل قصفها وأوامر الطرد الجماعي من شمال قطاع غزة ومدينة غزة في أغسطس الماضي، لم يجد سامي داود خيارًا سوى الرحيل. جمع أمتعته البسيطة، واصطحب زوجته وبناته نحو الجنوب كما طلبت إسرائيل.
وقد وصل إلى دير البلح في وسط القطاع، وهي منطقة اعتُبرت حينها “الأقل خطورة”، ونصب خيمة صغيرة على قطعة أرضٍ فارغة.
لكن بعد أسبوع فقط، سقط صاروخ إسرائيلي على الخيمة. قُتل سامي وابنته الكبرى غنى على الفور، فيما أُصيبت زوجته وابنته الأخرى بجراحٍ خطيرة.
يقول صديقه المصور يحيى برزق: “كان سامي حريصًا على أمان أسرته إلى درجة مفرطة. كان يحاول أن يجعل الخوف أقل وطأة على زوجته وأطفاله، لكن الموت لحق بهم حتى في ما سُمي بالمناطق الآمنة”.
ويتابع: “لم يكن سامي ناشطًا سياسيًا، كان مصورًا ومحرر فيديو يعمل بهدوء، آمن بأن العدسة وسيلته للعيش والكرامة، لا للعداء”.
القتل في أماكن النزوح
بحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن ما جرى لعائلة داود ليس استثناءً. فمنذ 11 أغسطس/آب، قتلت إسرائيل 1903 فلسطينيين في وسط وجنوب القطاع، أي ما يعادل 46% من إجمالي القتلى في تلك الفترة.
وتؤكد البيانات أن مئات العائلات التي نزحت إلى الجنوب قُصفت في أماكن لجوئها — من مدارس ومستشفيات ومخيمات وخيام.
ولم يعد في غزة “مكان آمن”، رغم وعود الاحتلال المتكررة بفتح “ممرات إنسانية” للمدنيين.
مصورون تحت النار
بعد يومٍ واحد فقط من حديثه عن استشهاد سامي داود، قُتل يحيى برزق هو الآخر في قصفٍ استهدف منطقة قريبة من مقهى كان يستخدمه لتحميل أعماله المصوّرة.
برزق، الذي اشتهر بتصوير الأطفال حديثي الولادة في غزة، كان قد وثّق قبل أشهر صور عشرات الأطفال الذين قُتلوا لاحقًا في القصف الإسرائيلي. كتب حينها: “هؤلاء أطفال صوّرتهم في مرسمي، شهدت ضحكاتهم ثم رأيت أسماءهم في قوائم الشهداء.”
كان يحيى قد نجا من محاولة اغتيال سابقة عندما أطلقت طائرة مسيّرة النار نحوه أثناء عمله، لكنه ظلّ مصرًّا على التصوير.
قال صديقه المصور محمود أبو حمدة: “كان يحيى يدرك أنه سيُقتل في النهاية. كان يشعر أن الموت يقترب منه كل يوم. لكنه كان يرى في الكاميرا شهادة حياة ضد النسيان.”
شهادة على الإبادة
قصة سامي ويحيى ليست مجرد مأساة شخصية، بل تعبير عن سياسة إسرائيلية ممنهجة تقوم على استهداف المدنيين والصحفيين على حد سواء، كما تقول المؤسسات الحقوقية.
فوفقًا لتقارير الأمم المتحدة ومنظمات الصحفيين الفلسطينيين، قُتل أكثر من 250 صحفيًا وإعلاميًا منذ أكتوبر 2023، ما يجعل الحرب على غزة الأكثر دموية في تاريخ الصحافة الحديثة.
وتوضح الوقائع أن إسرائيل لم تكتفِ بتدمير البيوت فوق رؤوس سكانها، بل لاحقت من حاول أن ينقل الصورة أو يروي الحكاية.
سامي داود ويحيى برزق أصبحا رمزين لجيلٍ من الصحفيين الفلسطينيين الذين فرّوا من الموت ليجدوه في الطريق نفسه الذي رُسم لهم.





