تحولت صفقة تصدير الغاز الإسرائيلي إلى مصر إلى أداة نفوذ دبلوماسي وأمني تُمكّن تل أبيب من التأثير على سلوك القاهرة وضبط توازنات حساسة في العلاقة الثنائية، رغم استمرار خلافات سياسية وأمنية غير محسومة بين الطرفين، وفق قراءة صحيفة «إسرائيل هيوم» العبرية.
وتشير الصحيفة إلى أن أحد الأسباب الرئيسية لتأخر توقيع الاتفاق لم يكن تقنياً أو مالياً، بل مرتبطاً بما تصفه إسرائيل بـ«السلوك الإشكالي» لمصر على المستويين السياسي والأمني، ولا سيما ما يتعلق بالترتيبات العسكرية في شبه جزيرة سيناء، والتي تخضع لقيود صارمة بموجب الملحقات الأمنية لمعاهدة السلام بين البلدين.
وبحسب إسرائيل هيوم، فإن التفاهمات المصاحبة لصفقة الغاز لا تتضمن التزاماً مصرياً صريحاً بسحب القوات الزائدة من سيناء، رغم علم إسرائيل بإدخال القاهرة قوات تتجاوز بكثير ما تسمح به المعاهدة.
وتشير المعلومات التي جمعتها تل أبيب خلال السنوات الماضية إلى قيام مصر ببناء أنفاق عميقة لتخزين أسلحة داخل سيناء، إضافة إلى تمديد مدارج في مطارات عسكرية بطريقة وُصفت بأنها «مريبة».
ورغم هذه المعطيات، لم تُحلّ هذه القضايا بصورة كاملة. وتؤكد الصحيفة أن القوات المصرية الزائدة ستبقى في سيناء، مقابل تعهدات مصرية غير محددة بتقليص بعض الأنشطة. كما وعدت الولايات المتحدة، وفق ما ورد، بدفع حوار بين الجانبين لمعالجة الانتهاكات، من دون تقديم ضمانات واضحة بتصحيح الوضع القائم.
في المقابل، ترى المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية أن بدء ضخ الغاز سيُدخل مصر في حالة اعتماد طاقي على إسرائيل، ما يمنح تل أبيب وسيلة ضغط فعّالة لردع القاهرة عن تجاوز الخطوط الحمراء في ما يتعلق بمعاهدة السلام.
ويجادل مسؤولون إسرائيليون، بحسب إسرائيل هيوم، بأن البديل كان توجّه مصر نحو قطر لتأمين احتياجاتها من الغاز، وهو خيار لم يكن عملياً بسبب الوقت الطويل اللازم لإنشاء خطوط أنابيب جديدة.
ويُستخدم الغاز الإسرائيلي في مصر ليس فقط لتغطية الاستهلاك المحلي، بل أيضاً لتسييله وإعادة تصديره إلى أوروبا، ما يوفر للقاهرة مصدراً حيوياً للعملة الصعبة.
وتؤكد الصحيفة أن غياب هذا المورد قد يعرّض الاقتصاد المصري لمخاطر جسيمة، خاصة في ظل محدودية إنتاج الحقول المحلية وعدم كفايتها لتلبية هذه الاحتياجات.
وقد لمّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وفق الصحيفة، إلى أن الاتفاق حقق لإسرائيل عدة مكاسب أمنية، حتى وإن لم تُترجم إلى تغييرات علنية في الانتشار العسكري المصري بسيناء.
ومع ذلك، لا تزال العلاقات السياسية بين الجانبين باردة، إذ فشلت محاولات «تدفئة» العلاقات بسبب الحرب المستمرة في غزة والتوتر بين القصر الرئاسي في القاهرة ومكتب رئيس الوزراء في القدس.
وتكشف إسرائيل هيوم أن الإدارة الأميركية درست فكرة عقد قمة تجمع نتنياهو والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلا أن القاهرة رفضت هذا المقترح.
وفي بعد أوسع، ترى الصحيفة أن اتفاق الغاز يعزز مساعي إسرائيل لترسيخ نفسها كقوة إقليمية في قطاع الطاقة، إذ تزود مصر والأردن بالغاز، مع اعتماد عمّان على الإمدادات الإسرائيلية لتغطية جزء كبير من احتياجاتها.
ويأتي ذلك على حساب قطر، التي كانت تجري محادثات مع القاهرة لإنشاء خط أنابيب مباشر من حقولها العملاقة، وهو مشروع يتطلب سنوات لم تكن مصر قادرة على انتظارها.
كما يفتح الاتفاق الباب أمام مشاريع طاقة إضافية مع دول الخليج، خاصة في حال انضمام السعودية إلى «اتفاقات أبراهام»، وهو سيناريو ترجّح الصحيفة تأجيله إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية وتشكيل حكومة جديدة.
وفي الإطار العملي، ستبني إسرائيل خط أنابيب إضافياً بين رمات حوفاف ونيتسانا لزيادة صادرات الغاز إلى مصر. كما يُتوقع أن تعيد الصفقة إحياء مناقصات التنقيب عن حقول جديدة في شرق المتوسط، بعدما أصرت وزارة الطاقة الإسرائيلية على ضمان كفاية الاحتياطيات للاستهلاك المحلي والحفاظ على الأسعار المنخفضة.
وبحسب إسرائيل هيوم، فقد جرى تلبية هذه الشروط بالكامل، ما أزال العقبة الأخيرة أمام توقيع الاتفاق، وحوّل الغاز من مورد اقتصادي إلى ورقة نفوذ استراتيجية في معادلة العلاقات الإسرائيلية–المصرية.





